أنوار من جامع الجزائر معاني الصبر والنصر عند الأنبياء – الجزء الأول-

معاني الصبر والنصر عند الأنبياء – الجزء الأول-

الحمد لله صاحب العزِّ والكبرياء، المتفرد بالبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر أولياءه على الظلمة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: فإن سنة الله الحكيمةَ في خلقه اقتضت أن يبتليهُم بالضراء والمنع، كما يختبرهم بالسراء والعطاء، تمحيصا لأنفسهم، ليميز الخبيث من الطيب، ورفعا لدرجات من صبر في هذا الامتحان، فنجح وفاز، قال تعالى (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت: 1-3]، وإن الدارس لتاريخ البشرية بتمحيصٍ، والمتصفحَ لقصص القرآن الكريم، يجد بأن أشد الناس بلاء هم صفوة الخلق من رسل الله وأنبيائه عليهم السلام، حيث لاقوا في سبيل تبليغ رسالة الله عناء وعنتا وأذى كبيرا من أقوامهم، وهي سنة الله في قصة الصراع المستمر بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، روى الترمذي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت: (يا رسول الله : أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبْتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة). أمة الإسلام: إننا نعيش نفحات شهر الله المحرم، ونتنفس بركاته، وهو شهر يذكرنا بقصة الابتلاء التي كتبها الله على الصفوة من خلقه، ففي العاشر منه قصة عظيمة تترجمُ لهذا الصراع المرير بين قوى الشر والباطل وقوى الخير والحق، وملخصها خروج كليم الله موسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل من أرض الظلم والجور إلى أرض الله الواسعة، وقد تُوِّج هذا الخروج أو الهجرة الموسوية بإغراق القوم الظالمين، ونجاة المؤمنين الصابرين، ونصرهم المؤزر بيد رب العالمين، كما حكى ذلك الذكر الحكيم، فقال تعالى: ( فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الاخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [الشعراء: 61-68 ]. أمة الإيمان: لقد قابل كليم الله موسى عليه السلام نصر الله المؤزرَ بصوم يوم عاشوراء، وأمر بني إسرائيل بصيامه، وعُظمَ هذا اليوم عبر تاريخ الإنسانية ليبقى عنوانا عظيما لقصة انتصار الحق على الباطل، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه. أمة الحق: إن يوم عاشوراء هو يوم إحقاق الحق وإزهاق الباطل، يوم ينصر الله فيه المؤمنين، ويذل الكافرين المجرمين، وإن نجاة موسى عليه السلام وهلاك الفرعون، لدليل واضح على قدرة الله المطلقة، وتصرفه الكامل في هذا الكون إحياء وإماتة، وإغناء وإفقارا، وإعلاء ووضعا، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر