الجزائر تحسم السباق نحو مدريد

معركة الغاز في المتوسط.. الجزائر تتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في سوق الغاز الإسباني

معركة الغاز في المتوسط.. الجزائر تتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في سوق الغاز الإسباني
  • أنبوب “ميدغاز” في قلب المعركة.. ورقة الجزائر الرابحة

تؤكد الأرقام الجديدة لواردات الغاز الإسبانية، أن الجزائر باتت لاعب جيو-اقتصادي يحسم مواقع النفوذ في حوض المتوسط.

تصدّر الجزائر للسوق الإسبانية للسنة الثالثة تواليا، رغم صعود الصادرات الأمريكية، يكشف تحوّل الغاز إلى ورقة استراتيجية تتجاوز الحسابات التجارية، لتدخل منطق التوازنات السياسية وصراع المصالح الطاقوية في أوروبا.

تصدّر الجزائر قائمة مورّدي الغاز إلى إسبانيا للسنة الثالثة على التوالي يأتي في ظرف دولي حساس تشهد فيه أسواق الطاقة تحولات عميقة، بفعل تداعيات الحرب في أوكرانيا، وتراجع الإمدادات الروسية، وسعي أوروبا المحموم لتنويع مصادرها الطاقوية. وفي هذا السياق، تمكنت الجزائر من رفع صادراتها نحو مدريد بنسبة 6.3 بالمائة مقارنة بسنة 2024، لتصل إلى مستوى يفوق 331 ألف جيغاواط/ساعة، وفق معطيات نشرتها وسائل إعلام إسبانية متخصصة في الطاقة. وتكشف الأرقام الرسمية أن الجزائر زوّدت السوق الإسبانية خلال سنة 2025 بما مجموعه 128 ألف و504 جيغاواط/ساعة، منها أكثر من 107 آلاف جيغاواط عبر أنبوب “ميدغاز” البحري الذي يربط مباشرة بين البلدين، مقابل نحو 21 ألف جيغاواط في شكل غاز طبيعي مسال. هذا التوزيع يعكس استمرار اعتماد مدريد على الإمدادات الجزائرية عبر الأنابيب، باعتبارها الأكثر استقرارا وأقل تكلفة مقارنة بالغاز المسال القادم عبر السفن. في المقابل، ورغم مضاعفة الولايات المتحدة صادراتها من الغاز المسال إلى إسبانيا بنسبة تقارب 98 بالمائة، إلا أنها بقيت في المرتبة الثانية بنسبة 30 بالمائة فقط من إجمالي الواردات، مقابل 38.5 بالمائة لصالح الجزائر. أما روسيا، فقد سجلت تراجعًا حادا في إمداداتها بنسبة 41 بالمائة، في مؤشر واضح على إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية، حيث باتت الجزائر أحد أعمدة التوازن الطاقوي في جنوب أوروبا.

 

الجزائر والتموقع الاستراتيجي في سوق الطاقة الأوروبية

تؤكد الأرقام المسجلة خلال سنة 2025، أن الجزائر لم تعد مجرد مزوّد تقليدي للغاز نحو إسبانيا، بل تحوّلت إلى فاعل استراتيجي في معادلة الطاقة الأوروبية. فتصدرها قائمة الموردين للسنة الثالثة تواليا يعكس قدرة الجزائر على الحفاظ على موثوقية الإمدادات في وقت تشهد فيه القارة اضطرابات حادة في سلاسل التوريد، بسبب التوترات الجيوسياسية وتراجع الدور الروسي في السوق الأوروبية. هذا التموضع يعكس كذلك قراءة جزائرية دقيقة للتحولات الدولية، حيث نجحت في استثمار موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وبنيتها التحتية الجاهزة، خاصة أنبوب “ميدغاز”، لتأمين حضور دائم في السوق الإسبانية. فالإمدادات عبر الأنابيب تمنح الجزائر أفضلية تنافسية مقارنة بمصدري الغاز المسال، من حيث الاستقرار والسعر وتفادي تقلبات الشحن البحري. ويُبرز هذا المشهد أن الجزائر لم تكتفِ بالحفاظ على حصتها، بل عززتها في وقت ارتفعت فيه المنافسة، خاصة من الولايات المتحدة. هذا التوازن يعكس نجاح الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية في ترسيخ شراكات طويلة المدى، قائمة على الثقة المتبادلة، ما يجعلها شريكا محوريا لإسبانيا في تأمين أمنها الطاقوي على المدى المتوسط والبعيد.

 

أنبوب “ميدغاز”.. ورقة الجزائر الرابحة في المتوسط

يمثّل أنبوب “ميدغاز” أحد أهم أدوات القوة الطاقوية الجزائرية في علاقتها مع السوق الإسبانية، حيث شكّل القناة الرئيسية لتوريد الجزء الأكبر من الغاز خلال سنة 2025. فمرور أكثر من 107 آلاف جيغاواط/ساعي عبر هذا الخط يعكس الدور المحوري للبنية التحتية المباشرة في ضمان استمرارية الإمدادات دون تأثر بعوامل النقل البحري أو اضطرابات الموانئ. ويمنح هذا الأنبوب الجزائر أفضلية استراتيجية مقارنة بموردي الغاز المسال، إذ يوفّر تدفقات مستقرة وطويلة الأمد، ويُقلّص التكاليف اللوجستية المرتبطة بالتسييل والشحن والتفريغ. كما يعزز عنصر الثقة لدى مدريد التي تبحث عن شركاء قادرين على تأمين احتياجاتها الطاقوية بعيدًا عن تقلبات الأسواق الفورية. في البعد الجيوسياسي، يتحول “ميدغاز” إلى أداة نفوذ ناعمة بيد الجزائر، حيث يربط مصالح البلدين في معادلة تعاون طويلة المدى. فكلما تعزز الاعتماد الإسباني على الإمدادات الجزائرية عبر الأنبوب، ترسّخت مكانة الجزائر كشريك لا غنى عنه في أمن الطاقة جنوب أوروبا، وهو ما يترجم عمليًا إلى وزن سياسي واقتصادي متزايد في الحوض المتوسطي.

 

الغاز المسال.. حضور أمريكي متصاعد وحدود المنافسة

سجّلت الولايات المتحدة خلال سنة 2025 قفزة لافتة في صادراتها من الغاز الطبيعي المسال نحو إسبانيا، بعد ارتفاعها بنسبة تقارب 98% مقارنة بالسنة السابقة، لتصل إلى أكثر من 111 ألف جيغاواط/ساعي. هذا التوسع يعكس سعي واشنطن إلى ترسيخ موقعها كمورّد بديل في السوق الأوروبية، مستفيدة من قدراتها الإنتاجية الضخمة وتطور بنيتها التحتية الخاصة بالتسييل والتصدير. غير أن هذا الحضور المتزايد يبقى محكوما بعوامل لوجستية واقتصادية معقّدة، إذ يرتبط الغاز المسال بتكاليف إضافية تشمل عمليات التسييل والنقل البحري وإعادة التغويز، ما يجعله أقل تنافسية من حيث السعر مقارنة بالغاز المنقول عبر الأنابيب. وهو ما يفسّر استمرار تفوق الجزائر في السوق الإسبانية، رغم الزخم الأمريكي المتصاعد. في هذا السياق، تتحول المنافسة بين الجزائر والولايات المتحدة إلى صراع نماذج: نموذج الإمداد المباشر والمستقر عبر الأنابيب، مقابل نموذج الشحن البحري المرن لكنه الأعلى تكلفة. ومع أن واشنطن تسعى لتوسيع حصتها الأوروبية، إلا أن المعادلة الجيوطاقوية تبيّن أن القرب الجغرافي والبنية التحتية القائمة يمنحان الجزائر أفضلية يصعب تجاوزها على المدى المتوسط.

 

تراجع روسيا.. إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية

شهدت الإمدادات الروسية من الغاز نحو إسبانيا تراجعا لافتا خلال سنة 2025 بنسبة بلغت 41% مقارنة بالعام السابق، لتستقر عند حدود 42 ألف و629 جيغاواط/ساعي فقط، أي ما يعادل نحو 11.4% من إجمالي واردات مدريد. هذا الانخفاض لا يُقرأ في سياق تجاري محض، بل يعكس تحولات جيوسياسية عميقة فرضتها الحرب في أوكرانيا والعقوبات الأوروبية المفروضة على موسكو. فقد دفعت الأزمة الأوروبية الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارا وأقل ارتباطا بالمخاطر السياسية، ما جعل الغاز الروسي يفقد تدريجيا مكانته التقليدية في السوق الأوروبية. هذا التحول أتاح للجزائر تعزيز موقعها كمورّد موثوق، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع إسبانيا ومن البنية التحتية القائمة، وعلى رأسها أنبوب “ميدغاز”. وفي هذا الإطار، لا يقتصر تراجع الدور الروسي على إسبانيا فقط، بل يشمل مجمل القارة الأوروبية، التي باتت تعيد رسم خريطتها الطاقوية وفق منطق جديد يقوم على تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على مصدر واحد. وهو ما يمنح الجزائر هامشا استراتيجيا أوسع لتعزيز حضورها في السوق الأوروبية خلال السنوات القادمة.

 

الجزائر والرهان الاستراتيجي.. من مورّد إلى شريك طاقوي

تُظهر المعطيات الأخيرة أن الجزائر لم تعد تكتفي بدور المورّد التقليدي للغاز نحو السوق الإسبانية، بل باتت تتحرك ضمن رؤية أوسع تقوم على بناء شراكات طاقوية طويلة المدى. فالحفاظ على الصدارة لثلاث سنوات متتالية يعكس ثقة متبادلة، ويؤشر إلى تحول العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى تعاون استراتيجي قائم على الاستقرار وضمان الإمدادات. وتستند الجزائر في هذا التوجه إلى عناصر قوة مهمة، أبرزها الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، والبنية التحتية الجاهزة مثل أنبوب “ميدغاز”، إضافة إلى خبرتها التاريخية في تسيير العقود الطاقوية طويلة الأمد. هذا المعطى يجعلها شريكا مفضلا في ظل تقلبات السوق العالمية وتزايد المخاطر الجيوسياسية التي تهدد سلاسل الإمداد. وفي السياق ذاته، يُفهم هذا الرهان الجزائري كجزء من تموقع أوسع في معادلة الطاقة المتوسطية، حيث تسعى الجزائر إلى ترسيخ صورتها كمزوّد موثوق وقادر على الوفاء بالتزاماته، مع تطوير علاقات متوازنة مع الشركاء الأوروبيين. وهو ما يمنحها هامشا تفاوضيا أكبر مستقبلا، ويعزز حضورها كفاعل جيواقتصادي مؤثر في أمن الطاقة الإقليمي. وبناء على كل ما سبق، تُظهر معركة الغاز في المتوسط أن الجزائر لم تعد مجرد مورّد تقليدي، بل تحولت إلى فاعل جيواقتصادي يمتلك هامش مناورة واسع داخل سوق يتسم بالتقلب وعدم الاستقرار. فالتموقع القوي في السوق الإسبانية يعكس قدرة الجزائر على قراءة التحولات الدولية مبكرا، واستباق المنافسة عبر خيارات استراتيجية قائمة على القرب الجغرافي، واستقرار الإمدادات، وتاريخ طويل من الشراكات الطاقوية. هذا المعطى يمنح الجزائر أفضلية نسبية مقارنة بمورّدين يعتمدون على النقل البحري المكلف أو يخضعون لضغوط سياسية معقدة، ما يجعل الغاز الجزائري خيارا عقلانيا واقتصاديا في حسابات مدريد وبروكسل. وفي سياق أوسع، تكشف هذه التطورات أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت أداة تأثير سياسي وإقليمي، تُعيد رسم موازين القوى في الحوض المتوسطي. فالجزائر، من خلال حضورها القوي في سوق الغاز، تعزز موقعها كشريك لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن الطاقوي الأوروبي، وهو ما يفتح لها آفاقا أوسع في التفاوض حول شراكات اقتصادية واستثمارية مستقبلية تتجاوز قطاع الطاقة، لتشمل الصناعة والبنية التحتية والتبادل التجاري. أما على المدى المتوسط، فإن الرهان الحقيقي يكمن في كيفية استثمار هذا الموقع المتقدم لبناء نموذج تنموي مستدام، يوازن بين تصدير الموارد وتعزيز القيمة المضافة داخليا. فاستقرار العائدات الطاقوية يمنح الجزائر فرصة لتسريع التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، بما يحصّن الاقتصاد الوطني من تقلبات الأسواق العالمية. وهنا تتجسد معركة الغاز كرافعة استراتيجية، لا فقط لتعزيز النفوذ الخارجي، بل لترسيخ أسس نمو داخلي أكثر توازنا واستقلالية.

م. ع