شاهدة على شجاعة المجاهدين

معركة ثاوريرث.. مواجهة حاسمة بين المجاهدين والمستعمر

معركة ثاوريرث.. مواجهة حاسمة بين المجاهدين والمستعمر

خاض مجاهدو جيش التحرير الوطني معركة ثاوريرث البطولية بكل شجاعة ضد قوات الاستعمار الفرنسي يوم 22 جانفي 1960، وكان جبل ثاوريرث، الواقع على مرتفعات قرية أقويلال على بعد حوالي 45 كلم شمال شرق ولاية البويرة التي كانت تابعة للمنطقة الثانية من الولاية التاريخية الثالثة، مسرحا لمعركة تاريخية خاضتها بشجاعة وبسالة فصيلة من جيش التحرير الوطني بقيادة الرقيب الأول آنذاك محمد بوشراعين الذي سقط في ميدان الشرف خلال تلك المعركة الضارية ضد القوات الاستعمارية.

ولا يزال هذا الموقع يحمل آثار هذه المعركة التي تشهد على فظاعة الاستعمار الفرنسي، إذ عثر سكان القرية على قذائف وقنابل لم تنفجر، بالإضافة إلى حطام مروحية أسقطها المجاهدون.

وتشهد على هذه المعركة أسماء حوالي 20 شهيدا ومجاهدا شاركوا فيها، كتبت على نصب تذكاري أقيم في مكان يسمى ثاغزوت، بالقرب من ثاوريرث وأقويلال.

وقد أطلقت قوات الاستعمار عملية التمشيط في خضم عملية “المنظار” بهدف تضييق الخناق على مجاهدي جيش التحرير الوطني الذين شنوا عدة هجمات مسلحة ضد الجنود الفرنسيين، وفقا لشهادة المجاهد قاسي عباد.

وفي ليلة 21 إلى 22 جانفي 1960، لجأت فصيلتان، إحداهما بقيادة الرقيب الأول بوشراعين والأخرى بقيادة قروت مزيان الملقب بواشيوان، إلى جبل إيمسدورار، بالقرب من الصحاريج.

وجاء في شهادة من عايشوا هذه المعركة أنه في منتصف الليل، تلقى المجاهدون معلومات من قرية تالا رانا تفيد بشن عملية تمشيط واسعة النطاق قامت بها قوات الاستعمار لتطويق أقويلال وجميع القرى المحيطة بها، فاجتمع قادة الفصيلتين في قرية إيمسدورار مع بعض عناصرهما على الفور لاتخاذ قرار حول الوضع واتفقوا على الابتعاد سريعا عن المكان قبل وصول القوافل العسكرية، وتم اتخاذ القرار بمغادرة ملجأ إيميسدورار في الساعة الثالثة صباحا.

وعند وصولهم إلى مكان يدعى ألما باكلي، اتفقت الفصيلتان على قرار الانفصال، فتقدمت الفصيلة التي كان يقودها بواشيوان نحو جبل إسيغيذان، بينما واصلت الفصيلة التي كانت تحت قيادة بوشراعين مسيرتها نحو جبل بغبغ وأغوني نسلاتا. وكانت الفصيلة تحت قيادة محمد بوشراعين تتكون من 24 مجاهدا سلكوا الطريق المؤدي من بلدة إيسلان للالتحاق ببغبغ عبر ثالغث وبوسرفين. وعند وصولهم إلى منطقة ثالا بولمان حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا، تفاجأوا بوابل من النيران من الجنود الفرنسيين الذين نصبوا لهم كمينا.

وقد أصيب اثنان من المجاهدين، من بينهم قاسي عباد، بجروح واعتقلوا، بينما عاد الآخرون أدراجهم بسرعة إلى مرتفعات جبل ثاوريرث واتخذوا مواقع استراتيجية في وسط غابة بوكرشان، غير أن الجيش الفرنسي تمكن من رصدهم. وتمكنت قوات العدو من

تحديد مكان اختباء المجاهدين. وقبل ساعات قليلة من بدء القتال، نشرت امدادات عسكرية كبيرة في جميع أنحاء المنطقة وفي أقويلال.

وبعد ساعة، كانت المجموعة الأولى من الجنود المظليين قد وصلت الى المكان وكانوا مرهقين بسبب ثقل حقائبهم والثلوج التي غطت المنطقة الجبلية، قبل أن يتفاجأوا بوابل من الرصاص والنيران الكثيفة.

وتحت تأثير المفاجأة، قتل عشرات الجنود الفرنسيين على الفور قبل اندلاع اشتباك عنيف لتبدأ المعركة.

في البداية، تمكن المجاهدون الذين كانوا على دراية جيدة بتضاريس المنطقة من السيطرة على القتال دون تكبد خسائر كبيرة، لكن تدخل طائرات العدو أجبر عناصر جيش التحرير الوطني على التشتت لتجنب القصف، وفقا لشهادة أحمد واعلي.

ومع بزوغ الفجر، قصفت طائرات العدو بالنابالم كامل المنطقة التي كان يختبئ فيها المجاهدون، ما أجبرهم على التشتت في الغابة الشاسعة مع مواصلة القتال، وفقا لمذكرات المؤرخ الراحل علي عمراني.

وقد جمعت قوات الاستعمار كل سكان المنطقة في مركز احتجاز في سماش وتعرض رجال ونساء هذه القرى للتعذيب، وبعضهم استشهد، فيما تمكن آخرون من الفرار عبر أسيف أوحداد وثغزوث وغابة إغبير وأحذيفة. وقد أسفرت المعركة عن خسائر فادحة في صفوف العدو، كما أكده المجاهد أحمد واعلي.