إشادة لافتة داخل أروقة الكونغرس الأمريكي..

مكافحة الإرهاب.. نموذج جزائري

مكافحة الإرهاب.. نموذج جزائري
  • اعتراف أمريكي بدور محوري في معادلات الاستقرار الإقليمي

حظيت تجربة الجزائر في مكافحة الإرهاب، بإشادة لافتة داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، خلال جلسة نقاش واستماع خُصصت لبحث قضايا الأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

وأبرز أعضاء في الكونغرس، الدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في مواجهة الجماعات المتطرفة، مؤكدين أن التعاون الجزائري-الأمريكي في هذا المجال يشكل نموذجا إيجابيا للشراكة الأمنية، ويعكس مكانة الجزائر كفاعل استقرار إقليمي يعتمد على خبرة ميدانية متراكمة وتجربة راسخة في مكافحة الإرهاب.

جاءت الإشادة بدور الجزائر في مكافحة الإرهاب، خلال جلسة نقاش واستماع داخل الكونغرس الأمريكي خُصصت لملف الأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في سياق يتسم بتزايد المخاوف الدولية من تمدد الجماعات المتطرفة وتحوّل المنطقة إلى بؤرة تهديد عابر للحدود. وقد شكلت هذه الجلسة، فرصة لعرض تقييمات مباشرة للتجارب الإقليمية الأكثر فاعلية في مواجهة الإرهاب، حيث برز اسم الجزائر باعتباره تجربة قائمة بذاتها. وخلال النقاش، أكد أعضاء في الكونغرس أن التعاون الجزائري-الأمريكي في مجال مكافحة الإرهاب يُعد من بين مجالات الشراكة القليلة التي أثبتت نجاعتها على أرض الواقع، بالنظر إلى طابعه العملي واعتماده على تبادل الخبرات والتنسيق الأمني بدل المقاربات الظرفية. هذا التوصيف يعكس اعترافا أمريكيا بأن المقاربة الجزائرية لمكافحة الإرهاب تستند إلى فهم عميق لطبيعة التهديدات في المنطقة. ولم تقتصر الإشادة على جانب التعاون الثنائي فحسب، بل امتدت إلى الدور الإقليمي للجزائر، حيث اعتبرها المتدخلون داخل الكونغرس فاعلًا أساسيًا في حفظ التوازن الأمني في شمال إفريقيا والساحل. ويأتي هذا التوصيف، في ظل تراجع فعالية بعض المقاربات الدولية الأخرى، مقابل صمود النموذج الجزائري القائم على الوقاية، وضبط الحدود، وتجفيف منابع التطرف. وتعكس هذه المواقف، في مجملها، انتقال النظرة إلى الجزائر من مجرد شريك أمني ظرفي إلى مرجعية إقليمية في مكافحة الإرهاب، تُستدعى تجربتها عند تقييم سياسات الأمن الجماعي في المنطقة. وهو ما يمنح الدور الجزائري بعدا استراتيجيا يتجاوز التعاون الثنائي، ليضعه في صلب معادلة الاستقرار الإقليمي كما تُقرأ اليوم داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية.

 

خبرة ميدانية متراكمة.. مقاربة جزائرية تتجاوز الحلول الجاهزة

ما يميّز التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب، هو اعتمادها على خبرة ميدانية متراكمة تشكّلت عبر سنوات طويلة من المواجهة المباشرة مع الجماعات المتطرفة. فهذه التجربة لم تُبنَ على نماذج مستوردة أو وصفات جاهزة، بل تطورت من داخل الواقع الأمني والاجتماعي الجزائري، ما منحها قدرة أعلى على التكيف والاستمرارية. الجزائر طورت مقاربة شاملة تجمع بين العمل الأمني الدقيق، والتحكم في المجال الترابي، والمعالجة الاستباقية للتهديدات، بدل الاكتفاء بردود الفعل العسكرية. هذا التوازن بين الحزم الأمني والفهم العميق لبنية التنظيمات الإرهابية مكّن الجزائر من تقليص مخاطر الارتداد الأمني، والحفاظ على استقرار داخلي في محيط إقليمي شديد الاضطراب. وفي هذا السياق، برزت التجربة الجزائرية كنموذج يعتمد على بناء قدرات وطنية مستقلة، سواء في مجال جمع المعلومات أو في تكوين الإطارات الأمنية، وهو ما أكسبها مصداقية لدى الشركاء الدوليين. فنجاعة أي تعاون أمني، بحسب تقييم الكونغرس، ترتبط بمدى امتلاك الطرف المحلي لأدواته الذاتية وقدرته على إدارة الملف دون ارتهان للخارج. وتعكس هذه الإشادة أن المقاربة الجزائرية لمكافحة الإرهاب لم تعد تُقرأ فقط بوصفها تجربة داخلية ناجحة، بل كخبرة قابلة للإلهام في مناطق أخرى تواجه تحديات مشابهة. وهو ما يفسر إدراج الجزائر ضمن الدول المرجعية عند مناقشة الأمن في شمال إفريقيا والساحل، باعتبارها صاحبة تجربة واقعية أثبتت فعاليتها عبر الزمن.

 

فاعل استقرار إقليمي.. الجزائر ودورها في موازين أمن الساحل

وتُصنَّف الجزائر اليوم، كأحد أعمدة الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي واتساع حدودها مع بؤر توتر معقدة. هذا الدور لا ينبع فقط من قدرات أمنية، بل من رؤية شاملة لإدارة المخاطر الإقليمية تقوم على الوقاية، وضبط الحدود، والتعامل المتزن مع التحولات الأمنية المتسارعة في الجوار. وقد أسهمت هذه المقاربة في الحدّ من انتقال التهديدات العابرة للحدود، سواء المرتبطة بالجماعات المتطرفة أو بشبكات الجريمة المنظمة. فالجزائر تعاملت مع محيطها باعتباره امتدادًا لأمنها الوطني، ما جعل استقرارها الداخلي مرتبطا مباشرة باستقرار الإقليم، وليس معزولا عنه. هذا الفهم المبكر انعكس في سياسات أمنية متماسكة قلّلت من قابلية الاختراق. كما يبرز الدور الجزائري من خلال قدرتها على الجمع بين الصرامة الأمنية واحترام سيادة الدول، وهو توازن دقيق في منطقة تعاني من هشاشة مؤسساتية وتداخل أمني معقد. هذا النهج عزّز صورة الجزائر كشريك موثوق، يعتمد على الحلول المستدامة بدل المعالجات الظرفية التي غالبًا ما تعمّق الأزمات بدل احتوائها. وفي ظل التحولات التي يشهدها الساحل، تتأكد أهمية وجود فاعلين إقليميين يمتلكون خبرة ميدانية ورؤية طويلة المدى. ضمن هذا السياق، يبرز الدور الجزائري كعامل تهدئة واستقرار، لا يقوم على تصدير النفوذ، بل على تحصين المجال الإقليمي من الانزلاق نحو دوامات عنف جديدة، بما يخدم أمن المنطقة ككل.

 

أمن يُبنى بهدوء ويتجاوز الحدود..

تُقدَّم الجزائر في مقاربتها الأمنية باعتبارها عنصر توازن في محيط إقليمي يتسم بتداخل الأزمات وتشابك التهديدات، حيث لا ينفصل الأمن الوطني عن أمن الجوار. هذا الوعي جعل من الاستقرار هدفًا استراتيجيًا يتجاوز حماية الحدود إلى المساهمة في الحد من ارتدادات الفوضى الإقليمية، خاصة في مناطق تعاني هشاشة أمنية مزمنة. ويقوم هذا الدور على مبدأ واضح قوامه أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر فهم عميق لطبيعة التهديدات ومساراتها العابرة للحدود. لذلك، ظل التعامل مع الملفات الأمنية الإقليمية محكومًا بمنطق الحيطة والتدرج، مع إعطاء الأولوية لمنع تمدد بؤر التوتر بدل الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها. كما يتجلى هذا الدور في اعتماد مقاربة تقوم على احترام سيادة الدول ورفض منطق التدخلات الفجّة، مقابل تشجيع التنسيق وتبادل الخبرات في إطار شراكات أمنية متوازنة. هذا التوجه أسهم في ترسيخ صورة فاعل يوازن بين الحزم الأمني والمسؤولية السياسية، ويبحث عن حلول طويلة المدى بدل المعالجات الظرفية. وفي ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، يبرز هذا النهج كخيار واقعي لبناء أمن إقليمي أقل هشاشة. فاستقرار الجزائر لا يُنظر إليه كحالة معزولة، بل كجزء من معادلة أوسع تجعل من الأمن عامل تهدئة في منطقة تحتاج إلى نماذج مستقرة أكثر من حاجتها إلى مقاربات صدامية.

 

شراكات أمنية واقعية.. عندما يتحول الاستقرار إلى أرضية تعاون

ويندرج التعاون الأمني في محيطه الدولي، ضمن منطق براغماتي يقوم على تبادل الخبرات وتنسيق الجهود لمواجهة تهديدات عابرة للحدود، لا تعترف بالجغرافيا ولا بالاعتبارات السياسية الضيقة. في هذا السياق، يُنظر إلى التجربة الجزائرية كقاعدة عملية لبناء تعاون قائم على الوقائع الميدانية والنتائج، لا على الشعارات أو المقاربات النظرية. ويستند هذا التعاون إلى قناعة مفادها أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون مجتزأة أو أحادية، بل تتطلب تناغما بين العمل الأمني، والتكوين، وتبادل المعلومات، مع احترام خصوصيات كل دولة. هذا الفهم أفرز نمطًا من الشراكات الهادئة التي تركز على الفعالية والاستمرارية، بعيدًا عن منطق الاستعراض أو التوظيف السياسي للملفات الأمنية. كما يعكس هذا المسار تحوّل الأمن من مجال مغلق إلى رافعة لبناء الثقة المتبادلة، حيث يصبح الاستقرار عنصر جذب للتعاون بدل أن يكون مجرد نتيجة له. فحين تُدار الملفات الأمنية بمنهج مؤسساتي واضح، تتحول إلى أرضية مشتركة لتقاطع المصالح، خاصة في بيئات إقليمية تتطلب تنسيقًا عالي المستوى لتفادي انتقال الأزمات. ويبرز هذا النموذج كدليل على أن الاستقرار ليس معطىً ثابتًا، بل مسار يُصان عبر شراكات عقلانية تُدرك أن أمن المنطقة مترابط، وأن الاستثمار في التجارب الناجحة يظل أحد أنجع السبل لمواجهة تهديدات تتغير أشكالها لكن جوهرها يبقى واحدا. في ضوء هذا المسار، يتضح أن مكافحة الإرهاب أصبحت عنصرا بنيويا في رسم مكانة الدول داخل محيطها الإقليمي والدولي. فالدول التي راكمت خبرة حقيقية في هذا المجال، ونجحت في تحويل التجربة الميدانية إلى منظومة عمل متكاملة، باتت تُقرأ أدوارها من زاوية الاستقرار لا من زاوية ردّ الفعل، وهو ما يمنحها وزنًا خاصًا في أي مقاربة جماعية للأمن. وتبرز التجربة الجزائرية في هذا السياق، كنموذج قائم على الجمع بين الصرامة الأمنية والمعالجة المؤسساتية بعيدة المدى، بما يسمح بتحصين الدولة من الداخل، وفي الوقت ذاته الإسهام في محيط إقليمي شديد الحساسية. هذا التوازن بين البعد الوطني والبعد الإقليمي جعل من الاستقرار عنصرًا مُنتجًا، وليس مجرد نتيجة مؤقتة لسياسات ظرفية. كما أن مقاربة التعاون الأمني القائمة على الواقعية واحترام السيادة، أثبتت نجاعتها في بناء شراكات طويلة الأمد، لا تُرهقها التحولات السياسية ولا تُفرغها الحسابات الآنية. فحين يكون التعاون مبنيًا على الخبرة والتجربة، يصبح قابلًا للتكيّف مع تطور التهديدات، وقادرًا على الاستمرار دون الحاجة إلى إعادة تعريفه مع كل مستجد. ويُظهر هذا المسار أيضًا، أن الأمن الإقليمي لم يعد يُدار بمنطق المحاور المغلقة، بل ضمن شبكات تعاون مرنة، يكون فيها تبادل المعرفة والخبرة أحد أهم أدوات الوقاية. وفي هذا الإطار، تتحول التجارب الوطنية الناجحة إلى مراجع عملية تُسهم في تعزيز مناعة المنطقة ككل، دون أن تفقد خصوصيتها أو استقلال قرارها. ويؤكد هذا التوجه، أن الرهان الحقيقي في مواجهة الإرهاب لا يكمن فقط في امتلاك الوسائل، بل في القدرة على تحويل التجربة إلى قيمة مضافة، والاستقرار إلى لغة تعاون، والخبرة إلى عنصر ثقة. وهو مسار يرسّخ فكرة أن الأمن، حين يُدار بعقلانية واستمرارية، يصبح ركيزة من ركائز الحضور الإقليمي والدولي، لا مجرد استجابة لتهديد عابر.

مصطفى. ع