قرارات استراتيجية تعيد ترتيب السوق

ملف السيارات.. مسار جديد يتشكل

ملف السيارات.. مسار جديد يتشكل
  • مصنع تيارت بحلٌة جديدة.. والجيش يدخل على الخط

 

  • علامات عالمية تطرق الأبواب مع مقاربة جديدة للتصنيع

يشهد ملف سوق السيارات في الجزائر مرحلة انتقالية دقيقة، بعد سنوات من الاضطراب بين توقف الاستيراد وتعليق نشاط التركيب، وما رافق ذلك من ندرة في العرض وارتفاع غير مسبوق في الأسعار. ومع عودة النقاش حول بعث الصناعة الميكانيكية وفق مقاربات جديدة، تتجه الأنظار إلى قرارات الدولة لإعادة تنظيم القطاع على أسس أكثر واقعية، توازن بين تلبية حاجيات السوق وبناء صناعة وطنية حقيقية ومستدامة.

وفي هذا السياق، يبرز مصنع السيارات بولاية تيارت كأحد أبرز الملفات الصناعية التي استعادت الواجهة بقوة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أعلنت السلطات عن طيّ نهائي لمرحلة التركيب واعتماد مقاربة جديدة تقوم على التصنيع الحقيقي. المصنع، الذي كان ينشط سابقا تحت علامة “هيونداي”، عرف تحوّلا مهما بعد تحويل أصوله إلى مؤسسة اقتصادية تابعة لوزارة الدفاع الوطني، في خطوة تهدف إلى إعادة بعثه وفق رؤية صناعية مختلفة كليا عمّا كان معمولا به في السابق.

هذا التحول رافقته عملية تقييم تقني وإداري شاملة للوحدة الصناعية، باشرتها شركة دولية مالكة لعلامة عالمية معروفة في مجال صناعة السيارات. وتأتي هذه المعاينة تمهيدا لاتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن إعادة تشغيل المصنع، مع الحرص –حسب التصريحات الرسمية– على تسريع الفصل في الملف لتفادي أي تدهور تقني محتمل للمنشأة، وضياع المزيد من الوقت الاقتصادي. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن إعادة بعث المصنع ستتم وفق معايير تقنية صارمة، ونسب إدماج حقيقية تُرفع تدريجيا وفق رزنامة واضحة وقابلة للقياس، بما ينسجم مع التوجه الجديد للدولة في مجال الصناعة الميكانيكية. الهدف المعلن هو الانتقال من منطق الورشات المحدودة إلى فضاء صناعي فعلي قادر على إنتاج مركبات محلية بمواصفات تنافسية، وتثمين الخبرات الوطنية بدل الاكتفاء بالتجميع. وفي البعد الاجتماعي للمشروع، أكدت السلطات أن الأولوية في التوظيف ستكون للعمال السابقين الذين اكتسبوا خبرة داخل المصنع، مع إخضاعهم لبرامج تكوين وإعادة تأهيل تتماشى مع متطلبات النشاط الصناعي الجديد. هذه المقاربة تهدف إلى الحفاظ على اليد العاملة المؤهلة، وضمان انتقال سلس نحو مرحلة التصنيع، بما يجعل مصنع تيارت رافعة حقيقية للتنمية المحلية وفرص التشغيل المستدامة في المنطقة.

 

وزارة الدفاع تدخل على الخط

وبالتوازي مع هذه التطورات الصناعية، يبرز تدخل الجيش الوطني الشعبي كعامل محوري في إعادة هيكلة هذا الملف الاستراتيجي، بعد تحويل أصول مصنع تيارت إلى مؤسسة اقتصادية تابعة لوزارة الدفاع الوطني. هذا القرار يعكس توجّها رسميا لإضفاء بعد مؤسساتي صارم على تسيير الوحدات الصناعية المسترجعة، وضمان إخضاعها لمعايير الانضباط والحوكمة والنجاعة الاقتصادية، بعيدا عن الممارسات السابقة التي أفرغت كثيرا من المشاريع من محتواها الصناعي الحقيقي. دخول وزارة الدفاع على الخط لا يقتصر على الإشراف الإداري فقط، بل يرتكز أساسا على ضبط المسار التقني للمشروع، من خلال فرض شروط دقيقة في الشراكات المستقبلية، والتأكد من جدية المتعاملين الأجانب، وقدرتهم الفعلية على نقل التكنولوجيا وتطوير النسيج الصناعي المحلي. هذا الدور الرقابي يُنظر إليه كضمانة لعدم تكرار سيناريوهات “التركيب السريع” التي سادت في سنوات مضت دون أثر صناعي ملموس. كما يُنتظر أن يساهم هذا الإطار المؤسسي الجديد في تسريع اتخاذ القرار الاستثماري، وتفادي حالات التردد أو التعطيل التي طبعت مشاريع مماثلة سابقا. فالجيش، بحكم تجربته في إدارة المشاريع الكبرى والبنى التحتية الاستراتيجية، يمتلك من الأدوات التنظيمية ما يسمح بإعادة بعث المصنع ضمن آجال معقولة، وبمنهجية تقوم على التخطيط والمتابعة الصارمة لمراحل الإنجاز. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن إشراف وزارة الدفاع على هذا الملف يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين والشركاء الدوليين، مفادها أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في تسيير مشاريعها الصناعية الثقيلة، قائمة على الاستقرار المؤسسي والوضوح في الرؤية، ما قد يشكل عنصر جذب إضافيا لعلامات عالمية تبحث عن بيئة استثمارية منظمة وقادرة على حماية مشاريعها على المدى الطويل.

 

التحول نحو التصنيع بدل التركيب والاستيراد العشوائي

ومن هذا المنطلق، تنتقل الجزائر تدريجيا إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف السيارات، عنوانها الواضح التصنيع بدل التركيب والاستيراد العشوائي، في توجه يعكس رغبة رسمية في تصحيح اختلالات عميقة طبعت هذا القطاع خلال السنوات الماضية. فبعد تجربة مصانع التركيب التي اعتمدت أساسا على استيراد مجموعات شبه جاهزة، دون خلق قيمة مضافة حقيقية، بات الرهان اليوم منصبا على بناء صناعة فعلية تقوم على الإدماج ونقل التكنولوجيا. هذا التحول يظهر بوضوح في الشروط الجديدة التي تفرضها السلطات العمومية على أي شريك أجنبي، حيث لم يعد القبول بمشاريع تقتصر على تركيب هياكل السيارات، بل أصبح مرتبطا بنسبة إدماج تصاعدية، وبرامج واضحة لتكوين اليد العاملة الجزائرية، وإنشاء شبكة مناولة محلية قادرة على إنتاج قطع الغيار والمكونات الأساسية. وهي معايير تهدف إلى خلق منظومة صناعية متكاملة بدل نشاط تجاري مقنّع. في هذا السياق، تُبرز الحكومة أن هدفها لم يعد تلبية الطلب المحلي فقط، بل بناء قاعدة صناعية قادرة مستقبلا على التصدير نحو الأسواق الإفريقية والإقليمية. وهو ما يفسر التركيز على توطين التكنولوجيا، وإدخال خطوط إنتاج حقيقية، بدل الاكتفاء باستيراد سيارات جاهزة أو شبه جاهزة، بما ينسجم مع رؤية اقتصادية أوسع لتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الإنتاج الوطني.

 

ويرى مختصون، أن هذا التوجه، وإن بدا أكثر صرامة من السابق، إلا أنه يشكل خطوة ضرورية لوضع أسس صناعة سيارات مستدامة، لا تخضع لتقلبات السوق العالمية ولا لأزمات الاستيراد. فنجاح هذا المسار من شأنه خلق مناصب شغل مؤهلة، وتحريك قطاعات صناعية مرافقة، من الحديد والبلاستيك إلى الإلكترونيات والخدمات اللوجستية، بما يحول قطاع السيارات إلى رافعة اقتصادية حقيقية بدل عبء مالي على الخزينة.

 

دخول علامات عالمية كبرى

وفي امتداد لهذا التحول نحو التصنيع الحقيقي، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في استقطاب علامات عالمية كبرى، كعنوان للمرحلة الجديدة التي تراهن عليها الجزائر في ملف السيارات. فبعد سنوات من هيمنة علامات محدودة وتجارب لم تحقق الإضافة المرجوة، أصبحت السلطات العمومية تشدد على نوعية الشريك الصناعي، وعلى قدرته الفعلية على نقل الخبرة والتكنولوجيا، بدل الاكتفاء بالحضور التجاري الرمزي. هذا التوجه تُرجم عمليا من خلال فتح باب التفاوض مع علامات دولية معروفة، تمتلك تاريخا صناعيا وخبرة تقنية واسعة، وتبحث عن أسواق جديدة للتوسع، خاصة في إفريقيا والمنطقة المتوسطية. وتحرص الحكومة على أن تكون هذه الشراكات مبنية على أسس واضحة، تشمل الاستثمار طويل المدى، وإنشاء مصانع إنتاج حقيقية، وليس مجرد خطوط تجميع مؤقتة مرتبطة بالظرف السوقي. في هذا السياق، تشير المعطيات الرسمية إلى أن عددا من العلامات الكبرى دخلت مرحلة الدراسات التقنية والتقييم الميداني للمواقع الصناعية في الجزائر، على غرار مصنع تيارت، تمهيدا لاتخاذ قرارات استثمارية نهائية. وهي خطوة تعكس عودة الثقة التدريجية في مناخ الاستثمار الصناعي، خاصة بعد الإصلاحات القانونية والإجرائية التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. ويرى متابعون أن نجاح الجزائر في استقطاب علامات ذات وزن عالمي من شأنه إحداث نقلة نوعية في السوق المحلية، سواء من حيث جودة المنتوج، أو تنوع الطرازات، أو حتى في ضبط الأسعار. كما يُنتظر أن تساهم هذه الشراكات في إدماج الجزائر ضمن سلاسل الإنتاج الدولية، وفتح آفاق للتصدير، ما يعزز موقع البلاد كقطب صناعي صاعد في شمال إفريقيا، بدل الاكتفاء بدور المستورد والمستهلك.

 

إلى أين يتجه ملف السيارات؟

وفي ختام هذا المسار المتدرّج، يتجه ملف السيارات في الجزائر نحو مرحلة أكثر وضوحا واستقرارا، عنوانها إعادة تنظيم السوق وبناء صناعة مستدامة. فبعد سنوات من الارتباك بين الاستيراد والتجميع وتوقف المصانع، بدأت تتشكل ملامح رؤية جديدة تقوم على ضبط العرض، وتحقيق توازن بين حاجيات المواطن ومتطلبات السيادة الصناعية. المعطيات الحالية، تشير إلى أن السلطات تعمل على صياغة نموذج جديد للسوق، يقوم على تقليص الاستيراد العشوائي، مقابل تشجيع الإنتاج المحلي الحقيقي، بما يسمح بتوفير سيارات بأسعار أكثر استقرارا، وتخفيف الضغط على العملة الصعبة. كما يُنتظر أن ترافق هذه المرحلة إجراءات تنظيمية تضمن شفافية أكبر في منح الاعتمادات، وحماية المستهلك من المضاربة والاحتكار. في المقابل، يعوَّل على دخول مصانع جديدة حيز النشاط، سواء عبر إعادة بعث الوحدات المتوقفة أو إطلاق مشاريع صناعية جديدة، في توسيع العرض تدريجيا داخل السوق الوطنية. هذا التطور من شأنه تقليص فترات الانتظار، وتوفير طرازات متنوعة تلبي مختلف الشرائح الاجتماعية، مع تحسين خدمات ما بعد البيع وقطع الغيار. ويرى مختصون، أن الاتجاه العام يوحي بأن ملف السيارات في الجزائر يسير نحو مرحلة نضج مؤسساتي، تتحكم فيها قواعد اقتصادية واضحة بدل القرارات الظرفية. مرحلة تُبنى فيها الثقة بين الدولة والمستثمر والمواطن، وتتحول فيها السيارة من أزمة متكررة إلى قطاع صناعي منظم، يساهم في النمو الاقتصادي ويوفر مناصب شغل مستدامة، ضمن رؤية إيجابية للمستقبل. يعكس المسار الحالي لملف السيارات في الجزائر تحوّلا تدريجيا نحو مقاربة أكثر توازنا وعقلانية، تقوم على بناء صناعة حقيقية بدل الحلول الظرفية، وضبط السوق بما يخدم مصلحة المواطن والاقتصاد الوطني معا. وبين إعادة بعث المصانع، واستقطاب علامات كبرى، وتثبيت دور الدولة كمُنظِّم وداعم، تتجه البلاد نحو مرحلة جديدة يُنتظر أن تُكرّس الاستقرار، وتفتح آفاقا واعدة لقطاع يُعوَّل عليه ليكون رافدا فعليا للتنمية الصناعية.