الكاتب والمؤرخ الجزائري محمد رزقي فراد:

منطقة القبائل ليست جزيرة مجنونة

منطقة القبائل ليست جزيرة مجنونة

أكد الكاتب والمؤرخ الجزائري محمد رزقي فراد أن منطقة القبائل لم تكن في ماضيها ولا في حاضرها جزيرة مجنونة معادية للمحيط الوطني، حسب الحكمة الصينية، بل شدد التاريخ أنها بمثابة القلب النابض للجزائر، وعليه فإن فكرة الانفصال لا تعدو أن تكون سوى مظهرا لخيانة رسالة الشهداء الداعية إلى العض بالنواجذ على الوحدة الوطنية.

وأوضح فراد قائلا: “لا شكّ أنّ النزعة الانفصالية بذرة غريبة عن مجتمعنا، خرجت من رحم المخابر الكولونيالية في القرن 19م في إطار سياسة “فرّق تسد”. وقد تصدّى لها أجدادنا بنجاح طيلة فترة الاحتلال الفرنسي، لكنها لم تلبث أن عادت إلى الواجهة بعد استرجاع السيادة الوطنية. أمام تفاقم أزمة الهوية حدث أن اعتنق تيار متطرّف عندنا في منطقة القبائل، فكرة الانفصال كحل لهذه المشكلة. وقد تفطنت الدولة إلى خطورة الوضع، فكان أن اتخذ قرارا تاريخيا حاسما يقضي بإدراج الأمازيغية لغة وطنية في الدستور، وبذلك سحب البساط من تحت أقدام دعاة الانفصال المدعّمين من طرف أعداء الجزائر، في مقدمتهم فرنسا المهزومة التي لم تهضم خروجها من الجزائر صاغرة، فصار هؤلاء الانفصاليون بمثابة حصان طروادة في يدها، لابتزاز الجزائر وللتشويش على سياستها المتحرّرة من نفوذ فرنسا، زيادة على ذلك فقد ارتموا في أحضان شِرذمة “شُذّاذ الآفاق” الذين يتربّصون بالجزائر الدوائر”.

وأضاف: “رغم أنه لا يجوز الشّك في وطنية أهل منطقة القبائل، فلا بأس من تقديم بعض المعالم التاريخية التي تؤكد أنها بمثابة القلب النابض للجزائر، ولا حياة لها خارج الجزائر. لقد كانت مدينة بجاية عاصمة للجزائر في القرون الوسطى، في زمن الدولة الحمادية الناصرية، كما ارتبط دخول الأخوين عرّوج وخير الدين العثمانيين إلى الجزائر، بالاستنجاد بهما، بعد أن تعرّضت مدينة بجاية للاحتلال الاسباني سنة 1510م، حسب شهادة المؤرخ ابن عساكر الواردة في كتابه: “دوحة الناشر” وهو من القرن 16م.

واستطرد في نفس السياق: “عندما تعرّضت الجزائر للعدوان الفرنسي في جوان 1830م، استجابت المنطقة لنداء الداي حسين، فجنّدت زواياهم حوالي 25 ألف مجاهد شاركوا في معركة سطاوالي. واستمرت المقاومة الشعبية تحت قيادة شيوخ الزوايا بدون انقطاع إلى سنة 1871م التي شهدت انتفاضة كبرى بقيادة الحاج محمد المقراني والشيخ محمد أمزيان بن حداد، امتدّ مداها نحو الشرق والجنوب والغرب حتى كادت أن تقضي على الاحتلال الفرنسي. وفي سنة 1939م قدمت منطقة القبائل أول شهيد للحركة الوطنية الاستقلالية وهو أرزقي كحال، وكانت جنازته في عرش آث يعلى من الأيام المشهودة في تاريخنا المعاصر. وبعد ظهور المنظمة الخاصة المكلفة بإعداد الثورة المسلحة سنة 1947م احتضنتها منطقة القبائل، بل وأكثر من ذلك ترأسها المجاهد حسين آيت أحمد بعد وفاة رئيسها الأول محمد بلوزداد رحمه الله. وكان المجاهد كريم بلقاسم قد اعتصم بالجبال منذ سنة 1947م، ساعيا لإعداد العُدّة لتفجير الثورة. أمّا دور منطقة القبائل في تفجير ثورة أول نوفمبر 1954م، فهو أشهر من نار على علم، إذ شكلت في تنظيم الثورة “المنطقة الثالثة” تحت قيادة المجاهد كريم بلقاسم. وتمّ سحب “بيان أول نوفمبر” ببيت المجاهد علي زعموم بقرية إغيل إموله التابعة لولاية تيزي وزو حاليا. واحتضنت أيضا مؤتمر الصومام التاريخي الذي أعطى نفسا قويا للثورة كما هو معلوم”.

وختم فراد قائلا: “هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يقال عن البعد الوطني لمنطقة القبائل عبر تاريخها الطويل. فلا عاقل يستطيع أن يفصلها عن الوطن الغالي، لولا الظنون الكواذب؟ وأودّ أن أنبّه الرأي العام إلى أن أكبر نصير للنزعة الانفصالية، هم مروّجو خطاب الكراهية الذي مازال يستهدف المنطقة”.

 

ب\ص