أنوار من جامع الجزائر

من أسرار ذكرى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ – الجزء الثاني والأخير –

من أسرار ذكرى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ – الجزء الثاني والأخير –

أَمَّا بَعْدُ، أَحْبَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّنَا وَنَحْنُ نَعِيشُ ذِكْرَى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، لَا يُمْكِنُ لِقُلُوبِنَا أَنْ تَطُوفَ حَوْلَ أَسْرَارِهَا وَعَجَائِبِهَا، دُونَ أَنْ تَمُرَّ بِجِرَاحَاتِ غَزَّةَ الصَّابِرَةِ الْمُحْتَسِبَةِ. فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الذِّكْرَى وَالْوَاقِعِ لَيْسَتْ عَلَاقَةَ تَارِيخٍ، بَلْ عَلَاقَةُ عَقِيدَةٍ وَقَدَرٍ. لَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْقُدْسِ فِي شِدَّةِ عُزْلَتِهِ، وَغَزَّةُ الْيَوْمَ تَعِيشُ عَامَ حُزْنٍ مُمْتَدٍّ، فُقِدَ فِيهِ السَّنَدُ، وَتَخَلَّى فِيهِ الْقَرِيبُ، وَأُغْلِقَتْ دُونَهَا أَبْوَابُ الْأَرْضِ.. تَمَاماً كَمَا أُغْلِقَتْ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ أَبْوَابُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَلَكِنَّ انْغِلَاقَ أَبْوَابِ الْأَرْضِ هُوَ دَائِماً إِيذَانٌ بِتَفَتُّحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ. إِنَّ الْعُدْوَانَ عَلَى غَزَّةَ الْيَوْمَ هُوَ تَأْكِيدٌ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَأَكْنَافَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا تَزَالُ هِيَ بُوصَلَةَ الطَّرِيقِ. فَالرَّبْطُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْقُدْسِ فِي رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ كَانَ بَشَارَةً بِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جُغْرَافِيَا، بَلْ هِيَ آيَةٌ مُقَدَّسَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ. وَبَقَاءُ أَهْلِ غَزَّةَ صَامِدِينَ فَوْقَ هَذَا الثَّرَى هُوَ بَشَارَةٌ بِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَنْصُورَةَ الَّتِي حَدَّثَ عَنْهَا الْمَعْصُومُ ﷺ لَا تَزَالُ حَيَّةً، وَأَنَّ اللهَ اصْطَفَاهُمْ لِيَكُونُوا حُرَّاسَ مَحَطَّةِ الْإِسْرَاءِ وَبَوَّابَةِ الْمِعْرَاجِ. كَمَا أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ إِعْلَاناً عَنْ سُقُوطِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ الْمَعْنَوِيَّةِ أَمَامَ عَظَمَةِ الْمَلَكُوتِ، فَإِنَّ مَا يَحْدُثُ فِي غَزَّةَ هُوَ مِعْرَاجٌ لِلْوَعْيِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ سَقَطَتْ أَصْنَامُ الْحَضَارَةِ الزَّائِفَةِ وَالْقَوَانِينِ الدَّوْلِيَّةِ الْمُزْدَوِجَةِ. تَذَكَّرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ مِنَ الْمِعْرَاجِ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ صِلَةُ الْقُوَّةِ. وَغَزَّةُ الْيَوْمَ تُعِيدُ لِلْأُمَّةِ صِلَتَهَا بِعِزَّتِهَا. إِنَّ الْقَلْبَ الْمُنْكَسِرَ فِي غَزَّةَ هُوَ الَّذِي سَيَسْتَنْزِلُ الْفَتْحَ. فَكَمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ جَبْرَ خَاطِرٍ لِرَسُولِ اللهِ بَعْدَ يُتْمِهِ وَفَقْدِهِ، فَإِنَّ نَصْرَ اللهِ لِغَزَّةَ هُوَ جَبْرُ خَاطِرٍ لِلْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا. إِنَّ اشْتِدَادَ الظُّلْمَةِ هُوَ الْبَشَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ أَزَفَ؛ “أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ”. يَا أَهْلَنَا فِي غَزَّةَ، وَيَا كُلَّ مُنْكَسِرِ الْقَلْبِ مِنْ أَجْلِهِمْ: إِنَّ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ، وَمِنَ الْخَوْفِ إِلَى الْأَمْنِ، وَمِنَ الْخِذْلَانِ إِلَى الرِّفْعَةِ، هُوَ اللهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. بَشَارَتُكُمْ فِي هَذِهِ الذِّكْرَى: أَنَّ الْمِعْرَاجَ الشَّخْصِيَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَبْدَأُ مِنَ الْقُدْسِ، وَأَنَّ النَّصْرَ لَا يُسَاقُ إِلَّا لِمَنْ ذَاقَ طَعْمَ عَامِ الْحُزْنِ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. صَبْراً يَا أَكْنَافَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَمَا بَعْدَ هَذَا الْإِسْرَاءِ فِي لَيْلِ الْجِرَاحِ وَالْآلَامِ، إِلَّا مِعْرَاجُ عِزَّةٍ، وَصَلَاةُ فَتْحٍ فِي سَاحَاتِ الْأَقْصَى.. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ. اللَّهُمَّ انْصُرْ أَهْلَ غَزَّةَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمُ الْبَلَاءَ، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ وَلِيّاً وَنَصِيراً، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُمْ بِجُنْدِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُمُ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ وَالْعِزَّةَ وَالْغَلَبَةَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَهُمْ وَاكْسِرْ حِصَارَهُمْ، اللَّهُمَّ أَطْعِمْهُمْ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَاسْقِهِمْ مِنْ حَوْضِ النَّبِيِّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ كَيْدَ الْمُحْتَلِّينَ فِي نُحُورِهِمْ وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُمْ تَدْمِيراً عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. آمِينَ آمِينَ آمِينَ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الجزء الثاني والاخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر