في إطار تنفيذ البرنامج الإصلاحي لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي جعل من التربية والتعليم ركيزة سيادية وخيارًا استراتيجيًا لبناء الجزائر الجديدة، شهد قطاعا التربية الوطنية والتعليم العالي خلال سنة 2025 تحوّلًا عميقًا غير مسبوق، تُرجم في إصلاحات جوهرية أعادت رسم ملامح المدرسة والجامعة الجزائرية، فقد وُضِع التعليم في صدارة السياسات العمومية باعتباره استثمارًا مباشرًا في الإنسان، وأداة حاسمة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة.
وانطلاقًا من رؤية رئاسية واضحة تقوم على تحديث المنظومة التعليمية، وتحسين نوعية التكوين، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، مكّنت الإجراءات المتخذة من إحداث قفزة نوعية شملت مراجعة المناهج، تثمين المورد البشري، تحديث البنية التحتية، توسيع الرقمنة، ودعم البحث العلمي والابتكار. كما أسهمت هذه الإصلاحات في تحويل الجامعة من فضاء تقليدي للتلقين إلى فاعل محوري في التنمية الوطنية، وصناعة الثروة، واستقطاب الشراكات الدولية. وبفضل هذا التوجه الاستراتيجي، رسّخت الجزائر خلال 2025 مكانتها كقوة تعليمية صاعدة إقليميًا ودوليًا، ونجحت في إرساء أسس مدرسة عصرية وجامعة مبتكرة قادرة على إعداد أجيال مؤهلة، تمتلك الكفاءة والمهارة وروح المبادرة، بما يستجيب لتحديات القرن الحادي والعشرين ويترجم التزامات الدولة تجاه مستقبل أبنائها.
الإصلاحات الجوهرية في قطاع التربية الوطنية.. التعليم الابتدائي في الصدارة

وواصل قطاع التربية الوطنية في 2025، تنفيذ إصلاحات شاملة تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتأهيل التلاميذ لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، وشملت هذه الإصلاحات إعادة هيكلة التعليم الابتدائي، تجديد المناهج، الثالثة ابتدائي، بعدها إلى السنة الرابعة والخامسة ابتدائي”. توظيف الأساتذة، وتحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية. وخففت الوزارة محتوى المواد التعليمية لتمكين التلاميذ من اكتشاف ميولهم مبكراً، ما يعزز استعدادهم للمرحلة الثانوية المتخصصة.
بعد سنوات من التجميد.. عودة أكبر مسابقة توظيف للأساتذة في 2025

كما شهد عام 2025 إطلاق مسابقة وطنية لتوظيف الأساتذة على أساس الشهادة شملت مشاركة الأساتذة المتعاقدين، كما تم توظيف المتعاقدين كإجراء مرحلي للسنة الدراسية 2025/2026، وتم تفعيل منصة رقمية لتسهيل عملية التسجيل ومتابعة المسابقة، بما يعكس التوجه نحو الرقمنة في إدارة الموارد البشرية التعليمية. وفي إطار الحرص على تحسين أوضاع المعلمين. ومن أهم ما ميز سنة 2025 تخفيض سن التقاعد لفائدة معلمي وأساتذة قطاع التربية بثلاث سنوات، إضافة إلى إدماج 82 ألف و410 أستاذاً متعاقداً، ليصل إجمالي الإدماج إلى 144 ألف و410 أساتذة في مختلف الأطوار التعليمية. كما تم إنجاز 224 مؤسسة تربوية جديدة وتوسعة هياكل قائمة بالتعاون مع وزارة السكن لضمان انسجامها مع المخططات العمرانية، وشُكلت لجان ولائية لمتابعة المشاريع وإزالة العراقيل ميدانياً، ما يعكس ديناميكية ملموسة في تحسين ظروف التعلم. وشهد قطاع التربية دخول صدور المرسوم التنفيذي رقم 25-55 المؤرخ في 21 جانفي 2025، المتعلق بالنظام التعويضي للأسلاك الخاصة بالتربية الوطنية،، موفراً إمكانيات وداعماً للاستقرار الوظيفي للموظفين.
نهاية السنة بتنصيب أول برلمان للطفل..

وانتهت سنة 2025، بتنصيب أول برلمان للطفل الجزائري لتعزيز المشاركة الديمقراطية المبكرة لدى الأطفال. وفي سياق الإصلاحات الاجتماعية، ارتفع الحد الأدنى للأجر الوطني المضمون من عشرين ألف دينار إلى أربع وعشرين ألف دينار ابتداء من جانفي 2026، وتم رفع منحة البطالة من خمسة عشر ألف إلى ثمانية عشر ألف دينار مع التكفل الشامل بالتغطية الصحية للمستفيدين، كما تم إقرار زيادات للمتقاعدين بنسبة عشرة بالمائة لمن يقل راتبهم عن عشرين ألف دينار وخمسة بالمائة لمن يزيد عن ذلك، وتم تمديد عطلة الأمومة لتصل إلى مئة وخمسة وستين يوماً عند الاقتضاء مع إمكانية تمديد عطلة الأمومة بعد الفترة القانونية إلى خمسين يوماً إضافية، تعزيزاً للحماية الاجتماعية للمرأة العاملة.
التحول النوعي في قطاع التعليم العالي..

في المقابل شهد التعليم العالي والبحث العلمي خلال 2025 مرحلة نشطة من التحول نحو جامعات مبتكرة قادرة على دعم الاقتصاد الوطني والابتكار والرقمنة. وتركزت الجهود على أربع محاور استراتيجية رئيسية، تشمل التحول في النموذج الجامعي والبحث العلمي كرافعة للسيادة الوطنية والرقمنة والحوكمة، ومواجهة هجرة الكفاءات. وتم الانتقال من الجامعة التقليدية إلى جامعة مبتكرة ومتصلة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي عبر تعميم ثقافة المقاولة، إنشاء مؤسسات ناشئة ومصغرة، وتفعيل نقل التكنولوجيا من الوسط الجامعي إلى المؤسسات الاقتصادية، ليصبح الطالب منتجاً لفرص العمل وليس باحثاً عنها.
تأسيس أول شركة قابضة جامعية وصندوق استثمار جامعي..

وتم تأسيس أول شركة قابضة جامعية وصندوق استثمار جامعي لتمويل المشاريع، إلى جانب إطلاق 134 حاضنة أعمال و256 مؤسسة ناشئة جامعية جذبت استثمارات بقيمة 2.8 مليار دينار، وخلقت فرصاً جديدة لريادة الأعمال لدى الطلبة والخريجين. ركزت الجزائر جهود البحث العلمي نحو الاحتياجات الاستراتيجية للدولة بما في ذلك الفلاحة والصناعة ومهن المستقبل، حيث تم إنشاء مراكز متقدمة للذكاء الاصطناعي. وسجل القطاع خلال 2025 ثمانين شراكة تنفيذية لمشاريع مبتكرة، وخمسمئة وتسعة وثلاثين بحثاً علمياً في مجال تثمين نتائج البحث بزيادة قدرها واحد وثلاثون بالمائة مقارنة بعام 2024، وإنشاء سبعة وسبعين فريق بحث مختلط موزعين عبر ستمئة وستة وسبعين برنامج بحثي، وإطلاق 134 حاضنة أعمال جديدة، كما تم تسجيل ثلاثمئة وخمسة وثلاثين مشروع بحث وطني منها مئتان وواحد وخمسون مشروع بحث ذا صيت دولي و1374 مشروع بحث مبتكر، وإيداع ثلاثة آلاف ومئتين وتسعة وأربعين براءة اختراع، واستحداث ألفين وستمئة وإحدى عشرة مؤسسة اقتصادية مصغرة، وثلاثمئة وعشرة مؤسسات ناشئة، وثلاثمئة وأربعين فرعاً اقتصادياً.
إنشاء أول مكتبة رقمية جامعية تضم أكثر من 114 ألف وثيقة إلكترونية

كما شهد قطاع التعليم العالي إنشاء أول مكتبة رقمية جامعية تضم أكثر من 114 ألف وثيقة إلكترونية، إلى جانب مركز بيانات متطور لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، وإدراج مواد جديدة في البرامج التكوينية مثل الإعلام الآلي الكمي والروبوتيك بما يواكب متطلبات مهن المستقبل، وتطوير منصة رقمية لتسجيل الطلبة الدوليين تسهم في بناء بيئة تعليمية متعددة الثقافات. وأسهمت الجهود المبذولة في 2025 في توجه الجامعة الجزائرية بخطى ثابتة نحو جامعة الجيل الرابع، عبر أربعة مؤشرات أساسية: جامعة ذكية، جامعة تتقاسم برامجها مع مؤسسات دولية مرموقة، جامعة رقمية تُدار عبر منصات ذكية، وجامعة ريادة الأعمال والمقاولاتية. وتمكنت الجامعة في أن تصبح قاطرة للتنمية الوطنية من خلال إنجازات ملموسة، حيث أسس الأساتذة الباحثون والعمال الجامعيون 480 مؤسسة، إضافة إلى 1400 مؤسسة ناشئة، و2800 مؤسسة مصغّرة، فضلاً عن 3400 براءة اختراع يتم تثمينها وتسويقها على شكل مؤسسات اقتصادية ذات قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
تعزيز المؤسسات الطلابية وتمويل النماذج النهائية لأول مرة..

وترافق الجامعة أصحاب المشاريع من خلال تمويل النماذج النهائية عبر لجنة مختصة تضم خبراء من الجامعة ووزارة اقتصاد المعرفة، بقيمة تتراوح بين مليون ومليوني دينار. كما أضاف أن الطلبة حاملي المشاريع التقليدية سيستفيدون، بعد تكوينهم في المقاولاتية، من دعم مالي يصل إلى 10 ملايين دينار لإطلاق مؤسساتهم الاقتصادية. وركزت الجهود، على تطوير التخصصات الرقمية وتعميم نمط التعليم المدمج، إلى جانب فتح 24 تخصصًا جديدًا يجمع بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والرقمنة والذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات.
الجامعة بدأت تلعب دورًا حاسمًا في معالجة قضايا المجتمع

كما تم الاستثمار في العلم والذي يمثل استثمارًا في السيادة الوطنية، حيث أنّ الجامعة بدأت تلعب دورًا حاسمًا في معالجة قضايا المجتمع، خاصة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي، حيث سيتخرج في جوان 2026 أكثر من 50 ألف مهندس في الإعلام الآلي منذ 2022. يأتي هذا في الوقت الذي شهدت فيه سنة 2025 إدراج مواد في مجالات السيادة الرقمية والأمن السيبراني، مثل مادة البرمجيات الحرة لجميع طلبة التكنولوجيا والعلوم، وإدخال مادة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعليمات من رئيس الجمهورية بإدراج مادة الوطنية وتاريخ الجزائر لطلبة المدارس الكبرى بسيدي عبد الله لمدة سنتين. أما في مجال الوقاية من الفساد، تم استحداث مسارات تكوين وطنية بجامعتي الجزائر 2 والجزائر 3 لتكوين إطارات متخصصة في الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
بلوغ الشرائح الإلكترونية الجزائرية مرحلة التدقيق لأول مرة..

كما شهدت 2025 بلوغ الشرائح الإلكترونية الجزائرية مرحلة التدقيق، فيما سيُعرض أول نموذج للسيارة الكهربائية الجزائرية في مارس المقبل، إلى جانب مشاريع أخرى قيد التطوير. وفيما يخص التوظيف، تم فتح 4112 منصبًا جديدًا تشمل أساتذة باحثين دائمين وأساتذة استشفائيين جامعيين، إضافة إلى عقود مؤقتة. مع تنظيم مسابقة وطنية للأطباء المقيمين بفتح 5900 منصب مالي. كما تم تطوير برامج تدريبية متقدمة في الذكاء الاصطناعي والروبوتيك والميكانيك الحديثة والأمن السيبراني بما يرفع جاهزية الطلبة لسوق العمل.
الانفتاح الأكاديمي على العالم.. شركات وإنجازات غير مسبوقة دوليا
كما حرصت الجزائر على الانفتاح الأكاديمي من خلال شراكات أوروبية مثل مشروع برنامج “إيراسموس بلس”، واتفاقيات ثنائية مع عدة دول على غرار التشاد و موريتانيا وتونس وقطر وعدة دول عربية وأوروبية لتبادل الطلاب والباحثين، وإطلاق منصات رقمية لتسهيل تسجيل الطلبة الدوليين، ما عزز مكانة الجامعات الجزائرية في المشهد الدولي. وفي هذا الإطار، حققت الجامعات الجزائرية إنجازات غير مسبوقة في التصنيف الدولي للجامعات لعام 2025، حيث صعدت إلى المرتبة الأولى مغاربياً والثانية إفريقيا وفق تصنيف تايمز للتعليم العالي، واحتلت المرتبة الأولى على المستويين المغاربي والعربي وفق تصنيف كيو إس، مع تصنيف ستة وأربعين مؤسسة تعليم عالي جزائرية مقارنة بسبعة عشر في 2025 وأربعة عشر في 2024، وحلت جامعة عنابة في المركز الأول وطنياً.
حصريا في 2025.. 38 جامعة تستفيد من مرافقة للحصول على اعتماد الجودة “إيزو”

واستفادت ثمانية وثلاثون مؤسسة جامعية من برنامج مرافقة تقنية للحصول على اعتماد الجودة “إيزو”، ما يعكس التزام الجزائر بمعايير الجودة الدولية في التعليم الجامعي. وقد أصبحت الجامعة منصة مركزية للتكامل بين القطاعات الوطنية، حيث تحتضن لجنة وطنية للانتقال إلى جامعة الجيل الرابع وتدعم الإصلاحات المتقاطعة بين التعليم العالي والتكوين المهني والتشغيل والابتكار، فضلاً عن مساهمتها في بناء جسور التعاون مع مختلف الوزارات والهيئات الوطنية، لتصبح نموذجاً وطنياً في احتضان الإصلاحات وتنفيذ المشاريع الهيكلية ذات البعد الوطني والدولي. وتم تنفيذ دراسة دولية بعنوان التعلّم القائم على العمل في الجزائر – تقييم وفقاً لمعايير الجودة في الاتحاد الأوروبي، بتنسيق مع المؤسسة الأوروبية للتدريب، لتعزيز المواءمة بين التكوين واحتياجات سوق الشغل، ما يعكس مكانة الكفاءات الجزائرية على المستوى الدولي. وتساهم هذه الجهود في ترسيخ صورة الجزائر كفاعل أساسي في مسارات الإصلاح والتحديث والشراكات الدولية، وتؤكد قدرة البلاد على إنتاج جيل متعلم ومؤهل قادر على مواجهة تحديات المستقبل، مع المحافظة على مكانتها الرائدة إقليمياً ودولياً وتحقيق التنمية المستدامة عبر التعليم والبحث العلمي.
حين يصبح الاستثمار في الإنسان قرارًا سياديًا لا رجعة فيه..

وهكذا، تُثبت حصيلة سنة 2025 أنّ الرهان على التربية والتعليم، كما أراده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لم يكن خيارًا ظرفيًا، بل توجها استراتيجيا بعيد المدى أعاد للمدرسة والجامعة الجزائرية مكانتهما كمحركين أساسيين للتنمية الوطنية وصناعة المستقبل. فقد انتقلت الإصلاحات من مستوى الوعود إلى منطق الإنجاز الملموس، ومن المعالجة الظرفية إلى بناء منظومة متكاملة تستثمر في الإنسان، وتُراهن على المعرفة والابتكار والسيادة العلمية. فلقد أضحت المدرسة فضاءً للتنشئة الواعية وصقل الكفاءات، وتحولت الجامعة إلى قاطرة فعلية للاقتصاد الوطني، تُنتج الثروة، وتواكب التحولات التكنولوجية، وتفرض حضورها في التصنيفات الدولية، وتبني جسور الشراكة مع محيطها الوطني والدولي. وبفضل هذا المسار التصاعدي، تكرّس الجزائر موقعها كقوة تعليمية صاعدة، قادرة على إعداد أجيال مؤهلة، متمكنة من أدوات العصر، وحاملة لمشروع وطني يستند إلى العلم والعمل والابتكار. إن ما تحقق في 2025 لا يمثل نهاية مسار، بل يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها التعليم رافعة السيادة، وضمان الاستدامة، وأحد أعمدة الجزائر الجديدة التي تُبنى بعقول أبنائها، وثقة مؤسساتها، ورؤية دولة اختارت الاستثمار في المعرفة طريقًا لا رجعة فيه.
سامي سعد