-
مشاريع منجمية كبرى تُعاد صياغتها برؤية صناعية طويلة المدى
تشهد الجزائر تحوّلا لافتا في مقاربتها الاقتصادية، مع انتقال مشاريع الثروات المنجمية من مرحلة التخطيط الطويل إلى حيّز الإنجاز الفعلي.
من الحديد بغار جبيلات، إلى الزنك والرصاص بواد أميزور، مرورا بالفوسفات شرق البلاد، تتحرّك ثروات الأرض ضمن رؤية جديدة تسعى إلى بناء اقتصاد إنتاجي، قائم على تثمين الموارد الوطنية وربطها بالصناعة والبنية التحتية والتصدير.
يأتي هذا التحوّل في وقت أدركت فيه الجزائر أن الرهان الحقيقي على الاستقرار الاقتصادي لم يعد يمرّ فقط عبر المحروقات، بل عبر استثمار منظم ومستدام في ثرواتها المنجمية الهائلة، التي ظلت لعقود إمّا غير مستغلة أو حبيسة تصورات تقليدية لم تسمح بتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية. ومع تزايد الضغوط العالمية على سلاسل التوريد وارتفاع الطلب على المواد الأولية، أعادت الدولة ترتيب أولوياتها لتجعل من المناجم رافعة مركزية في معادلة النمو. وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن الثروات المنجمية يقتصر على الاستخراج الخام، بل اتجه نحو بناء منظومة متكاملة تبدأ من الاستغلال المنجمي، مرورا بالتحويل الصناعي، وصولا إلى النقل والتصدير. وهو ما يفسّر التوازي اللافت بين إطلاق مشاريع منجمية كبرى، وتسريع إنجاز خطوط السكك الحديدية، وتوسعة الموانئ، وإنشاء وحدات صناعية مرافقة، بما يضمن إدماج هذه الموارد في الدورة الاقتصادية الوطنية بدل تصديرها كمواد أولية. هذا التوجه يعكس أيضا قناعة متنامية بضرورة توزيع التنمية على مختلف المناطق، خاصة في الهضاب العليا والجنوب والشرق، حيث تتمركز أغلب الثروات المنجمية. فالمشاريع الجديدة لا تُطرح فقط كأرقام إنتاجية، بل كرافعة لتشغيل اليد العاملة، وتحفيز الاستثمار المحلي، وخلق أقطاب صناعية جديدة قادرة على تقليص الفوارق الجهوية وربط المناطق الداخلية بالشبكات الاقتصادية الكبرى. وعلى هذا الأساس، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يستثمر ما تحت أرضه بذكاء. مرحلة تُترجمها عدة مشاريع منجمية كبرى، لكل واحد منها بعده الاستراتيجي، سواء من حيث حجم الاحتياطات، أو ارتباطه بالصناعة الوطنية، أو قدرته على فتح أسواق جديدة للتصدير، في مسار يبدو أنه يرسم مستقبلا مختلفا للاقتصاد الجزائري.
غارا جبيلات.. من احتياطي خامد إلى رافعة صناعية
يمثّل منجم غارا جبيلات، الواقع في أقصى الجنوب الغربي للبلاد، أحد أعمدة التحول المنجمي الذي تعوّل عليه الجزائر لإعادة بناء قاعدتها الصناعية الثقيلة. فبعد عقود ظلّ فيها المشروع حبيس الدراسات والتقديرات، انتقل اليوم إلى مرحلة الفعل، مستندا إلى احتياطات ضخمة من خام الحديد تُصنّف ضمن الأكبر عالميا، ما جعله محورا استراتيجيا في الرؤية الاقتصادية الجديدة للدولة. الرهان في غارا جبيلات لا يقتصر على استخراج الخام فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إدماجه ضمن منظومة صناعية متكاملة، تبدأ من الاستغلال المنجمي وتصل إلى تحويل الحديد محليا. هذا التوجه يهدف إلى تقليص التبعية للاستيراد، وضمان تموين مستقر لمصانع الحديد والصلب، وفي مقدمتها مركب الحجار ومشاريع صناعية أخرى قيد التوسيع أو الإنجاز. ويكتسي المشروع بعدا لوجستيا لا يقل أهمية عن بعده المنجمي، إذ جرى ربطه بشبكة نقل ثقيلة، على رأسها الخط الحديدي المنجمي الذي يربط الجنوب الغربي بالشمال، ما يسمح بنقل الخام بكميات كبيرة وبكلفة أقل. هذا الربط يشكّل بدوره عنصرا حاسما في تحويل غارا جبيلات من مشروع معزول جغرافيا إلى مكوّن فعلي في الدورة الاقتصادية الوطنية. أما على المستوى الاقتصادي الأوسع، فيُنتظر أن يساهم غارا جبيلات في خلق قيمة مضافة عالية، سواء من حيث مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، أو من حيث تحفيز الصناعات التحويلية والخدمات المرافقة. وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى المنجم كمورد طبيعي فحسب، بل كقاطرة تنموية قادرة على إحداث توازن جديد بين الثروات الطبيعية والقدرة الإنتاجية للاقتصاد الجزائري.
الزنك والرصاص بواد أميزور.. تثمين معدن استراتيجي مهمل
كما يُعد مشروع استغلال منجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية خطوة نوعية في مسار تنويع الثروة المنجمية الوطنية، بعد سنوات طويلة ظلّ فيها هذا المورد الاستراتيجي خارج دائرة الاستغلال الفعلي. اليوم، يعود المشروع إلى الواجهة ضمن مقاربة جديدة تقوم على تثمين المعادن غير الحديدية، وإدماجها في النسيج الصناعي الوطني بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية أو استيراد مشتقاتها. أهمية منجم واد أميزور لا تكمن فقط في احتياطاته المعتبرة من الزنك والرصاص، بل في طبيعة الطلب العالمي المتزايد على هذه المعادن، خاصة في الصناعات التحويلية، وصناعة البطاريات، والبنى التحتية، والصناعات الميكانيكية. هذا المعطى يمنح المشروع بعدا اقتصاديا يتجاوز السوق المحلية، ويفتح آفاقا حقيقية للتصدير وخلق مداخيل مستدامة. ويُنظر إلى هذا المشروع أيضا كفرصة لتجسيد نموذج استغلال منجمي حديث، يراعي المعايير البيئية والتكنولوجية، خاصة بالنظر إلى حساسية المنطقة جغرافيًا وبيئيًا. لذلك، جرى التركيز على اعتماد تقنيات استخراج ومعالجة تقلّل من الأثر البيئي، وتضمن توازنا بين الاستغلال الاقتصادي وحماية المحيط الطبيعي، وهو ما يعكس تحوّلا في فلسفة التعاطي مع المشاريع المنجمية. وعلى المستوى التنموي، يُرتقب أن يُحدث منجم واد أميزور ديناميكية اقتصادية محلية معتبرة، من خلال خلق مناصب شغل، وتنشيط شبكات المناولة، وتحفيز الاستثمارات المرافقة في النقل والخدمات. وبهذا، يندرج المشروع ضمن رؤية أوسع تجعل من الثروات المنجمية رافعة فعلية للتنمية المتوازنة، لا مجرد أرقام في دفاتر الاحتياطي.
فوسفات بلاد الحدبة.. من الاستخراج إلى سلسلة قيمة متكاملة
يمثل مشروع فوسفات بلاد الحدبة بولاية تبسة أحد أعمدة التحول الجاري في القطاع المنجمي، باعتباره انتقالا من منطق استغلال الخام إلى بناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة. فالمشروع لا يقتصر على استخراج الفوسفات، بل يرتكز على تحويله محليا إلى أسمدة ومنتجات مشتقة، ما يمنحه وزنا اقتصاديا واستراتيجيا يتجاوز البعد المنجمي التقليدي. وتكمن أهمية بلاد الحدبة في احتياطاته الكبيرة ونوعية خامه، ما يجعله قاعدة صلبة لصناعة فوسفاتية وطنية قادرة على تلبية جزء معتبر من الطلب المحلي، وتقليص فاتورة الاستيراد، إلى جانب التوجه نحو التصدير. هذا التموقع يمنح الجزائر فرصة للاندماج بقوة في الأسواق الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الأسمدة في إفريقيا. ويرتبط المشروع ارتباطا مباشرا بتطوير البنية التحتية اللوجستية، وفي مقدمتها الخط المنجمي الرابط بين بلاد الحدبة وميناء عنابة، ما يسمح بنقل الفوسفات ومشتقاته بانتظام وكلفة أقل. هذا الربط بين المنجم والميناء يعكس رؤية شاملة تجعل من اللوجستيك عنصرا حاسما في نجاح المشاريع المنجمية الكبرى. وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، يُنتظر أن يساهم مشروع بلاد الحدبة في خلق منظومة صناعية مرافقة تشمل التحويل الكيميائي، النقل، التخزين، والخدمات، بما يعزز القيمة المضافة الوطنية ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. وبهذا، يتحول الفوسفات من مورد خام إلى محرك فعلي للتنمية الصناعية والزراعية، في انسجام مع الرهانات الكبرى للأمن الغذائي والاقتصادي.
تنويع حقيقي للاقتصاد وتقليص التبعية للمحروقات
وتشكل المشاريع المنجمية الكبرى، من غارا جبيلات إلى بلاد الحدبة وواد أميزور، رافعة استراتيجية لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، عبر كسر الارتباط شبه الأحادي بعائدات المحروقات. فالانتقال نحو استغلال الثروات المنجمية وتحويلها صناعيا يفتح آفاقا جديدة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة تقلبات الأسواق الطاقوية. ويبرز الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع في قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، من خلال إدماج الصناعة التحويلية وسلاسل الإمداد الوطنية، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام. هذا التحول يسمح بتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحفيز قطاعات مرتبطة كالنقل، الخدمات اللوجستية، الهندسة، والصناعات الكيميائية، ما ينعكس مباشرة على النمو والتشغيل. ومن زاوية المالية العمومية، تمثل هذه الاستثمارات رهانا طويل المدى لتأمين موارد إضافية للخزينة خارج المحروقات، سواء عبر التصدير أو تقليص الواردات. كما تتيح للجزائر تحسين موقعها التفاوضي في الأسواق الدولية، بالانتقال من دولة مصدّرة للطاقة فقط إلى فاعل متنوع في المواد الأولية والصناعات الأساسية. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تقليص التبعية للمحروقات لا يحمل بعدا اقتصاديا فحسب، بل يعزز أيضا السيادة الاقتصادية ويمنح صناع القرار هامش مناورة أوسع. فتنويع مصادر الثروة يرسخ نموذجا تنمويا أكثر توازنا واستدامة، قادرا على امتصاص الصدمات الخارجية وبناء اقتصاد أقل هشاشة وأكثر ارتباطا بالإنتاج الحقيقي.
ثروات تُستثمر واقتصاد يعاد تشكيله
كما تؤكد الديناميكية التي تعرفها المشاريع المنجمية الكبرى أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في مقاربتها لاستغلال ثرواتها الطبيعية، تقوم على الانتقال من منطق الإمكانات الكامنة إلى منطق الإنجاز الفعلي. فهذه المشاريع لم تعد مجرد عناوين مستقبلية، بل أصبحت أدوات عملية لإعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج والتصنيع، بما يعكس إرادة واضحة لبناء مسار تنموي أكثر توازنا. ويبرز في هذا السياق، أن الرهان لا يقتصر على استخراج الموارد، بل يتعداه إلى توطين المعرفة الصناعية، وبناء سلاسل قيمة متكاملة، وربط المناجم بالبنى التحتية من سكك وموانئ ومناطق تحويل. هذا الترابط يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة داخليا، ويدفع نحو إدماج فعلي للمناطق الداخلية في الدورة الاقتصادية، بما يقلص الفوارق ويعزز التنمية المحلية. كما تحمل هذه التحولات بعدا استراتيجيا يتصل بالأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية، إذ تتيح للجزائر تنويع مداخيلها وتقليص هشاشتها أمام تقلبات أسواق الطاقة. فالاستثمار في المناجم والصناعات المرتبطة بها يفتح آفاقا جديدة للشراكات الدولية على أسس أكثر توازنا، ويمنح البلاد موقعا متقدما في خارطة الموارد الأساسية عالميا. ما تشهده الجزائر اليوم ليس مجرد إطلاق مشاريع قطاعية معزولة، بل ملامح إعادة تشكيل شاملة لنموذجها الاقتصادي. نموذج يراهن على ثروات الأرض، لا كبديل ظرفي للمحروقات، بل كدعامة استراتيجية طويلة المدى، تضع أسس اقتصاد متنوع، منتج، وأكثر قدرة على الاستجابة لتحديات المستقبل.
مصطفى. ع










