ومن بركاتِ العشرِ الأواخرِ الختمةُ المباركةُ في صلاةِ التراويحِ، حيث كانت تَعلو أصواتُ القراءِ بآياتِ الكتابِ من أولِها إلى مُنتهاها، وختمُ القرآنِ في هذه الليالي ليس مجردَ سردٍ للحروفِ، بل هو إعلانُ وفاءٍ لعهدِ اللهِ، وتجديدٌ لصلةِ الأرواحِ بالوحيِ، حين يَختمُ الإمامُ القرآنَ، تَنزلُ الرحماتُ، وتُفتحُ أبوابُ السماواتِ، ويُؤمّنُ المصلونَ على دعاءِ الختمِ بقلوبٍ خاشعةٍ؛ ففي كلِّ آيةٍ تُليتْ، وفي كلِّ سجدةٍ عُظّمَ فيها الربُّ، يُكتبُ للمؤمنِ عتقٌ من النيرانِ. فيا بشرى لمن كان له في كلِّ حرفٍ نصيبٌ من النورِ واليقينِ والأجرِ، ويا فوزَ من شَهدَ الختامَ بقلبٍ حاضرٍ ولو غابَ عن القيامِ طولَ الشهرِ، يُوشكُ أن تُدركَه دعواتُ القانتينَ المبتهلينَ فيُغفرَ له مَعهم. وإتماماً لهذا البناءِ الإيمانيِّ، شرعَ اللهُ في ختامِ شهرِكم صدقةَ الفطرِ. هي طُهرةٌ للصائمِ من اللغوِ أو الرفثِ، وهي في الوقتِ ذاتِه طعمةٌ وجبرٌ لقلوبِ الفقراءِ والمساكينِ. إنَّ الإسلامَ لا يريدُ لنا أن نَخرجَ من مدرسةِ الصيامِ بقلوبٍ طاهرةٍ فحسب، بل يريدُنا أن نَخرجَ بقلوبٍ رحيمةٍ؛ تَشعرُ بألمِ الجائعِ، وتُكفكفُ دمعَ المحتاجِ. صدقةُ الفطرِ هي البرهانُ العمليُّ على صدق الإيمان والامتثال ، وهي إعلانٌ بأنَّ فرحةَ العيدِ لا تكتملُ إلا إذا شملتْ كلَّ بيتٍ، ومَسحتْ حزنَ كلِّ قلبٍ. اجعلوا مسك ختامكم استغفاراً وصدقاً، وأروا اللهَ من أنفسكم خيراً، فإنَّ اللهَ يُباهي بعبادهِ الصادقينَ ملائكةَ السماءِ. اللهم لا تجعلْه آخرَ العهدِ من صيامِنا، وإن جَعلتَه فاجعلْنا فيه من المرحومينَ ولا تجعلْنا من المحرومينَ. اللهم إن كنا مُقصرينَ فاجبرْ كسرَنا، وإن كنا مُسرفينَ فاغفرْ لنا، وإن كنا مُدبرينَ فخذْ بنواصينا إليكَ أخذَ الكرامِ عليكَ. اللهم يا من لا يُرَدُّ سائلَه، ولا يُخيِّبُ لسانًا وحَّدَه وناجاه، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلالِ والإكرامِ. اللهم إنَّ بساطَ شهرِكَ قد طُوِي، وإنَّ أيامَه الغرَّ قد آذنَت برحيلٍ، اللهم فاجعلْ خيرَ أعمالنا خواتيمَها، وخيرَ أيامنا يومَ نلقاكَ. اللهم لا تجعلْ حظَّنا من صيامنا الجوعَ والعطشَ، ولا من قيامنا السهر والتعبَ، واكتبنا عندكَ في هذا الشهرِ من المقبولينَ، وممَّن شملتْهم الرحمةُ والمغفرةُ والعتقُ من النيرانِ. يا ربَّ العالمينَ: بَلغنا ختامَ الشهرِ ونحن في أتمِّ نعمةٍ وأقومِ إيمانٍ. اللهم إن كانت هذه ليالي الوداعِ، فاجعلْها ليالي الوِصالِ، واكتب لنا فيها عتقاً لرقابنا، ورقابِ آبائنا وأمهاتنا، وأزواجنا وذرياتنا من النارِ.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر