أمة الإحسان: إن خُلُقًا يأمر الله تعالى به من عليائه، لهو بحقٍّ خلق عظيم، وأجره عميم، وثمرته يانعة.
- إنه خلق رباني، اتصف به سبحانه كما يليق بجلاله، ثم أمر عباده بالتحلي به، جاء عند الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله أرأيتَ إن علمت أيُّ ليلة ليلةُ القدر، ما أقول فيها ؟ قال: ” قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني”، وقال تعالى آمرا عباده: “وليعفوا وليصفحوا” النور:22.
- إنه من أفضل أخلاق الدنيا، ففِي المُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَبَدَرْتُهُ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَبَدَرَنِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ : ” يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ” .
- إنه خلق يثمر سلامة الصدر، ونقاء السريرة، وطمأنينة الفؤاد، قال تعالى “ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين” الحجر : 47.
- إنه خلق يثمر مجتمعا متماسكا مترابطا متآخيا متحابا، قال تعالى : ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” فصلت : 34.
- إنه خلق يزداد به صاحبه رفعة ومقاما، ففِي الصَّحِيحِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طريق أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ” مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعه ” .
- وأخيرا: إن العفو خلق تنال به محبة الله ورحمته ومغفرته، وأعظمْ بها ثمراتٍ طيبةً، تهفو إليها النفوس الزاكية، قال تعالى: “والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” آل عمران: 134، وقال تعالى: “وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم” النور:22. أيها المحسنون: يوشك شهر السقي -شعبانُ- على الرحيل، استقبالا لشهر الحصاد، شهرِ رمضان، إنه شهر التوبة والمغفرة والإحسان، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه المردة من الجان، فحري بنا وحقيق أن نعلنها توبة نصوحا، نقمع فيها هوانا، ونصلح من أنفسنا، ونتهيأ لنفحات ربنا، عسى أن تنقلنا رحمات ربنا إلى أعلى مراتب التقوى في شهر الإحسان. عباد الله: إني داع فأمنوا. اللّهمّ لا تَدَعْ لنا في هذا المَقَام ذَنْبًا إلّا غفرْتَهُ، ولا هَمًّا إلا فَرَّجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مريضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا عَدَوًّا إلّا خَذَلْتَهُ وقَصَمْتَهُ، اللّهمّ انْصُرْ مَن نَصَرَ الدّينَ، واخْذُلْ من خَذَلَ المسلمين. اللّهمّ إنّا نَسْألُكَ الإصلَاحَ في الوَلَدِ، والعَافِيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ. اللهم اجعلْ بلدنَا هذَا آمنا مطمئنا وسَائرَ بلَاد المُسْلمين.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر







