أنوار من جامع الجزائر

من فاته أول رمضان فلا يفوته آخره – الجزء الأول –

من فاته أول رمضان فلا يفوته آخره – الجزء الأول –

قد كنّا قبلَ أيّامٍ نَترقّبُ هلالَ هذا الشهرِ الكريمِ، وها نحنُ أولاءِ في مِضمارِ السباقِ الأخيرِ نُودّعُ أيامَه الأخيرةَ، وفي الصفوةِ المختارةِ من لياليهِ. فإنَّ العبرةَ بالخواتيمِ، وإنَّ الخيلَ إذا شارفَت نهايةَ المضمارِ بَذلتْ قُصارى الجهدِ للظَّفرِ. فلا تكنِ الخيلُ أفطنَ منا! يقولُ العارفونَ باللهِ: “ربما فَتحَ لكَ بابَ الطاعةِ وما فَتحَ لكَ بابَ القبولِ، وربما قَضى عليكَ بالذنبِ فكانَ سبباً في الوصولِ”. إن كانَ من قد أذنبَ في أولِ الشهرِ، أو غَلبه الكسلُ، أو فرّطَ في جنبِ اللهِ، فإنَّ هذه العشرَ هي مَغسلةُ التائبينَ. لا تقلْ فاتَ الأوانُ، بل اذكرْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ولننظرْ في هديِ نبينا ﷺ؛ وهو إمامُ المتقينَ، فإنه كان إذا دَخلتْ عليه هذه العشرُ، لم يزددْ إلا اجتهاداً، ولم يَعرفْ عزمُه إلا اشتداداً. تُخبرنا أمُّنا عائشةُ -رضيَ اللهُ عنها- بصورةٍ نبويةٍ مَهيبةٍ؛ كما في الصحيحينِ: “كان إذا دَخلَ العشرُ؛ أحيا ليلَه، وأيقظَ أهلَه، وشدَّ مِئزرَه”.

أحيا ليلَه: فلا نومَ إلا قليلاً، بل صلاةٌ وقرآنٌ ومناجاةٌ.

أيقظَ أهلَه: لأنه رحيمٌ بهم، يَخشى عليهم فواتَ هذا الفضلِ العظيمِ.

شدَّ مئزرَه: كنايةٌ عن التشميرِ للطاعةِ، والانقطاعِ التامِّ عن شواغلِ الدنيا.

أيها المؤمنونَ الصائمونَ: إنَّ العارفينَ باللهِ لا يَغترونَ بجمالِ البداياتِ، بل يُعولونَ صِدقَ النهاياتِ. إنَّ واجبَ العارفِ في هذه الليالي هو الاعتكافُ القلبيُّ؛ بالانصرافِ عما سوى اللهِ عزَّ وجلَّ، بأن يَحبسَ قلبَه على عتبةِ العبوديةِ، مُتقلبًا بين الرجاء في القبولِ والخوفِ من الردِّ. كيف وقد ادخرَ اللهُ في أواخرِ هذا الشهرِ أفضلَ ليالي العمرِ، ليلةً خيراً من ألفِ شهرٍ، يا من أثقله الندمُ؛ قفْ قليلاً وتأملْ في رحمةِ ربِّكَ؛ لقد جَعلَ اللهُ شهرَكَ هذا ثلاثَ مراحلَ، لكنه سبحانه -بواسعِ فضلِه- لم يجعلِ الجائزةَ في أولِه فقط، بل جَعلَ النفحةَ الكبرى والكنزَ الأغلى مُخبأً في خواتيمِه. تَحرّوا في هذه العشرِ ليلةً وصفَها اللهُ بأنها “خيرٌ من ألفِ شهرٍ”. ليلةٌ تَنزلُ فيها الملائكةُ حتى تضيقَ بهم الأرضُ، لا ينزلونَ إلا بالسلامِ والسكينةِ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «تَحرَّوا لَيلةَ القَدْرِ في الوَتْرِ من العَشرِ الأواخِرِ من رمضانَ» رواه البخاريُّ، فيها يُفرقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ؛ تُكتبُ الأرزاقُ، وتُحددُ الآجالُ، وتُعتقُ فيها رقابُ العابدينَ التائبينَ من النيرانِ. هي ليلةُ العفوِ؛ فالزموا فيها دعاءَ نبيكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “اللهم إنكَ عفوٌ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عني”. بقلوبٍ منكسرةٍ، فنحن الفقراءُ إلى عفوِ اللهِ أكثر من فقرِنا إلى الماءِ والطعامِ. فاللهم إنكَ عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنّا يا كريمُ.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر