-
البحث العلمي في قلب المعركة.. رهان على الجامعات والمخابر لتغيير واقع الإنتاج
-
بذور مقاومة وتمديد السقي.. حلول ميدانية لمواجهة الجفاف وشحّ الأمطار
في ظل ارتفاع فاتورة استيراد القمح وتواضع مردودية الإنتاج المحلي، تخوض الجزائر معركة الانتقال من التبعية الغذائية إلى بناء أمن غذائي مستدام.
ومع تسجيل متوسط إنتاج لا يتجاوز 15 قنطارا في الهكتار، أطلقت وزارة الفلاحة مخططا جديدا يراهن على البحث العلمي، تطوير البذور، توسيع المساحات المسقية، وإصلاح منظومة الدعم، في محاولة لمضاعفة الإنتاج وكسر حلقة الاستيراد المزمنة.
تعكس الأرقام التي كشف عنها وزير الفلاحة واقعا يستدعي المعالجة تعيشه شعبة الحبوب في الجزائر، حيث لا يتجاوز متوسط الإنتاج الوطني 15 قنطارا في الهكتار الواحد، وهو مستوى يعتبر ضعيفا مقارنة بالإمكانات الطبيعية والبشرية المتوفرة. هذا المعدل يضع الجزائر في وضعية هشّة غذائيا، ويجعلها مضطرة في كل موسم إلى اللجوء للاستيراد لتغطية حاجياتها من القمح، ما يثقل كاهل الخزينة العمومية ويربط الأمن الغذائي بتقلبات الأسواق العالمية. وتزداد خطورة هذه الأرقام إذا ما قورنت بمعدل الاستهلاك السنوي للفرد الجزائري، الذي يبلغ 218 كلغ من القمح، وهو رقم يفوق بكثير المتوسط العالمي. هذا الفارق الكبير بين الإنتاج والاستهلاك يخلق فجوة هيكلية في منظومة الحبوب، ويطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة السياسات الفلاحية المعتمدة خلال السنوات الماضية، ومدى قدرتها على مواكبة الطلب المتزايد للسكان. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح رفع المردودية ضرورة استراتيجية وليست خيارا ظرفيا، خاصة في سياق عالمي يشهد اضطرابات متواصلة في سلاسل التموين وارتفاعا في أسعار الحبوب. فالاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل الجزائر عرضة للتقلبات الجيوسياسية والمناخية التي قد تعصف بأسواق الغذاء في أي لحظة، وهو ما دفع السلطات إلى إعادة النظر في مقاربتها تجاه هذا القطاع الحيوي. ومن هذا المنطلق، يشكّل الاعتراف الرسمي بضعف المردودية خطوة أولى نحو التصحيح، حيث تسعى الوزارة إلى الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر إعداد مخطط جديد يستهدف مضاعفة الإنتاج إلى 30 قنطارا في الهكتار على الأقل. هدف يعكس إرادة سياسية واضحة لكسر الحلقة المفرغة بين ضعف الإنتاج وتنامي فاتورة الاستيراد، ووضع شعبة الحبوب في مسار استراتيجي أكثر استدامة.
العلم في قلب المعادلة.. رهان البحث والتطوير
وانطلاقا من تشخيص هذا الوضع، تراهن وزارة الفلاحة اليوم على البحث العلمي كمدخل أساسي لإحداث التحول المنشود في شعبة الحبوب، حيث أكد الوزير المهدي ياسين وليد أن التعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي يشكّل حجر الزاوية في هذه المقاربة الجديدة. فالانتقال من مردودية ضعيفة إلى إنتاج مضاعف يمر حتما عبر المختبرات، وتطوير البذور، وتحسين التقنيات الزراعية المعتمدة في الحقول. وفي هذا الإطار، شدّد الوزير على أهمية إدخال أصناف جديدة من البذور المقاومة لشح المياه والتقلبات المناخية، باعتبارها من أبرز التحديات التي تواجه الفلاح الجزائري، خاصة في السنوات الأخيرة التي عرفت اضطرابات كبيرة في نسب التساقطات المطرية. هذه الخطوة من شأنها تقليص خسائر المواسم الجافة وضمان استقرار نسبي في الإنتاج، حتى في ظل ظروف مناخية غير مواتية. كما أبرز المسؤول الأول عن القطاع، ضرورة تفعيل بنك الجينات الوطني، الذي يُعوَّل عليه ليكون فضاء علميا لتطوير الموروث الجيني الزراعي والمحافظة عليه. فامتلاك قاعدة بيانات وراثية وطنية قوية يسمح بتطوير بذور محلية تتلاءم مع خصوصيات التربة والمناخ في مختلف مناطق البلاد، بدل الاعتماد على أصناف مستوردة لا تستجيب دائما للواقع الميداني. ويأتي هذا التوجه العلمي ليؤسس لمرحلة جديدة في السياسة الفلاحية، قوامها الابتكار والتجديد بدل الحلول الظرفية. فرفع المردودية لم يعد مرتبطا فقط بتوسيع المساحات المزروعة، بل أصبح رهينا بجودة البذور، ودقة المعالجة التقنية، وتوظيف نتائج البحث العلمي في خدمة الحقول، بما يضمن إنتاجا أكثر استدامة وأقل تكلفة على المدى المتوسط والبعيد.
بذور جديدة لمواجهة شحّ الأمطار
وفي هذا الإطار، وضعت وزارة الفلاحة ملف البذور في صدارة أولوياتها، من خلال إدخال أصناف جديدة مقاومة للجفاف وقادرة على التأقلم مع التقلبات المناخية. هذا التوجه يأتي استجابة مباشرة لتذبذب التساقطات المطرية الذي بات يهدد استقرار الإنتاج، خاصة في المناطق شبه الجافة التي تعتمد تقليديا على الأمطار. ويرى المختصون، أن تطوير بذور محلية متكيفة مع الخصوصيات المناخية لكل منطقة يشكل حجر الأساس لأي استراتيجية فلاحية ناجحة، إذ لا يمكن تحقيق مردودية مرتفعة ببذور غير ملائمة للتربة والظروف المناخية. وهو ما أكده الخبراء الذين شددوا على ضرورة التمييز بين بذور الهضاب العليا، وبذور الشمال، وتلك الموجهة للمناطق الجنوبية. وفي هذا السياق، شدد الوزير على أهمية تفعيل بنك الجينات الوطني، باعتباره فضاء علميًا استراتيجيًا لحماية الموروث الجيني الجزائري وتطويره. فالبنك يشكل قاعدة بيانات حيوية تسمح للباحثين باستغلال السلالات المحلية وتحسينها وراثيًا، بما يضمن استدامة الإنتاج وتقليل التبعية للبذور المستوردة.
ري أوسع.. معركة الماء لكسب الرهان
وبالانتقال من المختبر إلى الحقل، يبرز ملف الري كأحد المفاتيح الحاسمة في معركة رفع المردودية، حيث أعلن الوزير عن قرار توسيع المساحات المسقية إلى حدود 500 ألف هكتار عبر تعميم أنظمة الري الحديثة. هذا التوجه يعكس إدراكا رسميا بأن الاعتماد شبه الكلي على الأمطار لم يعد خيارا آمنا في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. وفي هذا السياق، تُعد الجهة الغربية من الوطن من أكثر المناطق تضررا من شح التساقطات المطرية خلال السنوات الأخيرة، ما أثر بشكل مباشر على إنتاج الحبوب فيها. وهو ما يجعل الاستثمار في الري المحوري والتقنيات المقتصدة للماء ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار تقني، لضمان استقرار الإنتاج وتفادي خسائر المواسم الجافة. كما تراهن الوزارة على تعميم نظم الري الذكية التي تسمح بالتحكم الدقيق في كميات المياه المستعملة حسب طبيعة التربة ونوع المحصول، بما يحقق توازنا بين الحفاظ على الموارد المائية ورفع المردودية. فكل قطرة ماء أصبحت تُحسب اليوم في معادلة الأمن الغذائي الوطني. ويُنتظر أن يساهم هذا البرنامج في إعادة رسم الخريطة الزراعية للحبوب في الجزائر، من خلال توسيع الرقعة المسقية، وتحويل مساحات واسعة من الزراعة البعلية الهشة إلى زراعة مستقرة وأكثر إنتاجية، ما يشكل خطوة مفصلية نحو تقليص التبعية للاستيراد وتعزيز الاكتفاء الذاتي تدريجيا.
إصلاح الدعم.. من يستحق فعلا؟
وفي امتداد لمسار الإصلاحات الرامية إلى رفع المردودية، يبرز ملف الدعم الفلاحي كأحد المحاور الحساسة التي أعادت الوزارة فتحها للنقاش. فالدعم، رغم أهميته في تشجيع الإنتاج، ظل لسنوات محل جدل بسبب ضعف آليات التوجيه، ما أدى في كثير من الأحيان إلى استفادة أطراف غير معنية فعليا بالنشاط الفلاحي المنتج. وزير الفلاحة أكد في هذا السياق ضرورة مراجعة سياسات الدعم بشكل جذري، بما يضمن توظيف الموارد المالية العمومية في مسارها الصحيح. المقاربة الجديدة تقوم على ربط الدعم بالإنتاج الفعلي، بحيث يُمنح للفلاح بعد تسليم محصوله للمصالح المختصة، وليس قبله، تفاديا لأي استغلال غير مشروع أو تحويل للأموال عن أهدافها الأصلية. هذا التوجه يجد صداه لدى الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين، الذي طالما دعا إلى توجيه الدعم نحو المنتج الحقيقي في الميدان. فالمطلب الأساسي يتمثل في اعتماد آليات رقابة دقيقة، تسمح بتحديد المستفيدين الحقيقيين على أساس حجم الإنتاج وجودته، وليس على مجرد التصريحات أو الملفات الإدارية. ومن شأن هذا الإصلاح أن يعيد الثقة في منظومة الدعم، ويحوّلها من عبء مالي إلى أداة فعالة لتحفيز الإنتاج الوطني. فحين يصل الدعم إلى مستحقيه، يصبح رافعة حقيقية لتطوير الشعبة، ويشجع الفلاحين على الاستثمار، بدل الاتكال على مساعدات غير مرتبطة بالأداء والمردودية.
تمويل وميكنة وإعلام فلاحي.. أدوات التحول
وفي إطار استكمال منظومة الإصلاحات الموجهة للنهوض بشعبة الحبوب، ينتقل التركيز نحو الأدوات العملية الكفيلة بتحقيق التحول المنشود على أرض الواقع، وفي مقدمتها التمويل والميكنة والإعلام الفلاحي. فالوزارة تدرك أن أي استراتيجية إنتاجية لا يمكن أن تنجح دون توفير موارد مالية كافية تسمح للفلاحين بتطوير نشاطهم ومواكبة التقنيات الحديثة في الزراعة. وفي هذا السياق، أعلن الوزير عن استحداث آليات تمويل جديدة تقوم على القروض المصغّرة ورأس المال الاستثماري، بهدف ضخ سيولة إضافية في القطاع الفلاحي وتحفيز الاستثمار المنتج. هذه الصيغ التمويلية ترمي إلى تمكين الفلاح من اقتناء المدخلات الضرورية وتوسيع نشاطه دون إثقال كاهله بأعباء مالية ثقيلة، بما يخلق ديناميكية جديدة داخل الشعبة. أما على مستوى الميكنة، فقد تقرر إنشاء تعاونيات متخصصة في العتاد الفلاحي المتطور، لتسهيل استفادة الفلاحين من معدات الحصاد الحديثة. هذه الخطوة تكتسي أهمية خاصة في ظل تسجيل ضياع يقارب 20 بالمائة من الإنتاج سنويا، بسبب تأخر عمليات الحصاد أو الاعتماد على آلات قديمة وغير فعالة، وهو ما ينعكس سلبًا على المردودية الوطنية. وفي بعد تكميلي لا يقل أهمية، أعلن الوزير عن إنشاء قناة تلفزيونية متخصصة في النشاط الفلاحي، تكون فضاء توعويا وتكوينيا للفلاحين. هذه القناة ستعمل على نشر الإرشادات التقنية، وتبسيط المسار الزراعي الصحيح، وتحسيس المنتجين بأفضل الممارسات، بما يجعل الإعلام شريكا مباشرا في معركة رفع المردودية وتحقيق الأمن الغذائي. وفي ختام هذا المسار الإصلاحي، يتضح أن قطاع الحبوب في الجزائر يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الانتقال من التشخيص إلى الفعل الميداني. فالأرقام التي كشفها وزير الفلاحة بشأن ضعف المردودية لم تعد مجرد معطيات تقنية، بل تحولت إلى منطلق لإعادة بناء سياسة فلاحية أكثر واقعية، تعتمد على البحث العلمي، وتكييف البذور، وتوسيع الري، وتحديث أدوات الإنتاج. هذا التحول يعكس إرادة واضحة للقطع مع منطق الحلول الظرفية والتوجه نحو معالجة جذرية للإشكال. ومع إدخال آليات تمويل جديدة، وإنشاء تعاونيات للعتاد، وإصلاح منظومة الدعم، تتجه الدولة إلى بناء منظومة متكاملة تضع الفلاح في قلب العملية الإنتاجية، وتمنحه الأدوات الحقيقية للنجاح. فالمقاربة الجديدة لا تقوم فقط على ضخ الأموال، بل على حسن توجيهها، وضمان وصولها إلى المنتجين الحقيقيين، بما يعزز العدالة الاقتصادية ويرفع من كفاءة الاستثمار العمومي في القطاع. وفي الأفق، يبدو أن الرهان الأكبر يتمثل في تحويل هذه القرارات إلى نتائج ملموسة على الأرض، تُقاس بارتفاع الإنتاج وتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي. فنجاح هذه الاستراتيجية لن يكون مكسبا فلاحيا فحسب، بل خيارا سياديا يعزز استقلال القرار الاقتصادي، ويمنح الجزائر قدرة أكبر على التحكم في أحد أهم ملفاتها الحيوية.










