أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: نَقِفُ الْيَوْمَ خَاشِعِينَ مُعْتَبِرِينَ بَيْنَ يَدَيْ ذِكْرَى مُتَجَدِّدَةٍ عَبْرَ الزَّمَانِ خَلَّدَهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي مُفْتَتَحِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”. إِنَّهَا مُعْجِزَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ الْخَالِدَةُ، الْمَلِيئَةُ بِالْأَسْرَارِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَالدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ. نَتَأَمَّلُ حَيْثِيَّاتِهَا مِنْ خِلَالِ صَفَحَاتِ السِّيرَةِ الْعَطِرَةِ، نَنْتَقِلُ مِنْ خِلَالِهَا إِلَى “عَامِ الْحُزْنِ”، ذَلِكَ الْعَامُ الَّذِي فَقَدَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ السَّنَدَ الدَّاخِلِيَّ بِرَحِيلِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَالسَّنَدَ الْخَارِجِيَّ بِفَقْدِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا أَصَابَهُ مِنْ غَمٍّ بَعْدَ الْقَسْوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي رَدَّهُ بِهَا أَهْلُ الطَّائِفِ وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ. جَاءَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ الْمُعْجِزَةُ لِتُفَرِّجَ عَنْ قَلْبِهِ ﷺ ذَلِكَ الضِّيقَ الشَّدِيدَ، وَتَفْتَحَ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بَعْدَ صُدُودِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلِنَتَعَلَّمَ مِنْهُ الدَّرْسَ الْخَالِدَ -يَا عِبَادَ اللهِ- وَنَحْنُ نُصَارِعُ ضُغُوطَ الْحَيَاةِ وَأَثْقَالَ الْمَادَّةِ وَأَزَمَاتِ الدَّهْرِ، بِأَنْ لَا قُنُوطَ وَلَا إِحْبَاطَ مَهْمَا سَاءَتِ الظُّرُوفُ، وَأَنَّ الْفَرَجَ حَتْماً سَيَأْتِي بَعْدَ ضِيقٍ شَدِيدٍ، وَأَنَّ الْمِعْرَاجَ إِلَى السَّمَاءِ سَيُفْتَحُ بَابُهُ حِينَمَا تُغْلَقُ أَبْوَابُ الْأَرْضِ، مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً”. وَلَكِنْ حِينَ نَتَعَلَّقُ بِمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَنَسْتَجْدِيهِ اسْتِجْدَاءَ الْعَبْدِ الْأَوَّابِ، قَالَ تَعَالَى: “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ”. عِبَادَ اللهِ، لَقَدْ صَدَّرَ اللهُ تَعَالَى سُورَةَ الْإِسْرَاءِ بِقَوْلِهِ: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ”، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ؛ هُوَ أَنَّ أَعْلَى رُتْبَةٍ وَصَفَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ ﷺ لَمْ تَكُنْ لَقَبَ “الْقَائِدِ”، أَوْ “الْعَظِيمِ”، وَإِنَّمَا بِلَقَبِ “الْعَبْدِ”. وَالدَّرْسُ الْبَلِيغُ هَهُنَا؛ هُوَ أَنَّهُ بِقَدْرِ مَا تَتَذَلَّلُ لِرَبِّكَ فِي مِحْرَابِ الْعُبُودِيَّةِ، يَرْفَعُكَ اللهُ فِي مَعَارِجِ الْعِزِّ. إِخْوَةَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، لِمَاذَا الْإِسْرَاءُ أَوَّلاً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْعُرُوجِ؟ وَالْجَوَابُ: لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُعْجِزَةِ، مُجَرَّدَ مَحَطَّةٍ انْتِقَالِيَّةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَعَانِي، بَلْ كَانَ عُنْوَاناً لِتَحَوُّلِ الْقِيَادَةِ. أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْبِطَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَهْدِ التَّوْحِيدِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَجْمَعِ الْأَنْبِيَاءِ بِرِبَاطٍ لَا تَسْتَوْعِبُهُ الْمَسَافَاتُ الْبَعِيدَةُ، بَلْ تَسَعُهُ الْعَقِيدَةُ، وَصَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَنْبِيَاءِ فِي الْأَقْصَى كَانَتْ بِمَثَابَةِ اسْتِلَامٍ وَتَسْلِيمٍ لِزِمَامِ الْقِيَادَةِ الرُّوحِيَّةِ لِلْعَالَمِ؛ فَمَنْ فَرَّطَ فِي الْقُدْسِ، فَقَدْ أَعْلَنَ ضِمْناً تَنَازُلَهُ عَنْ رِيَادَةِ الْإِسْلَامِ لِلْبَشَرِيَّةِ وَتَخَلِّيَهُ عَنْ أَمَانَةِ الْأَنْبِيَاءِ. حِينَ نُسْقِطُ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى حَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ وَوَاقِعِ غَزَّةَ، يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ غَزَّةَ هِيَ “عَامُ الْحُزْنِ الْجَمَاعِيُّ”، فَكَمَا ضَاقَتْ مَكَّةُ بِنَبِيِّهَا، تَضِيقُ الدُّنْيَا الْيَوْمَ بِغَزَّةَ. وَمَا نَرَاهُ مِنْ خِذْلَانِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ هُوَ تَكْرَارٌ لِمَشْهَدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمُطَارَدِ فِي الطَّائِفِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْعَجْزَ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ عَلَامَةَ نِهَايَةٍ، بَلْ هُوَ نُقْطَةُ الصِّفْرِ الَّتِي يَسْبِقُهَا الْإِعْجَازُ. إِنَّ شُعُورَنَا بِالْعَجْزِ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ صَنَمَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ فِي قُلُوبِنَا؛ فَغَزَّةُ الْيَوْمَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَدِينَةٍ تُقْصَفُ، بَلْ هِيَ مَعَ كُلِّ رُوحِ شَهِيدٍ تَرْقَى إِلَى السَّمَاءِ مِعْرَاجٌ بِالْأُمَّةِ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ. لَقَدْ عَرَجَتْ غَزَّةُ بِالْأُمَّةِ فَوْقَ زَيْفِ الْمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الِانْتِقَائِيَّةِ، وَأَعَادَتْنَا لِنُوَاجِهَ الْحَقِيقَةَ الْعَارِيَةَ: “وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر








