مشاريع تثمين كبرى واستثمارات بـ60 مليار دولار تعيد رسم المشهد الاقتصادي

نحو جيل جديد من السيادة الصناعية والطاقوية

نحو جيل جديد من السيادة الصناعية والطاقوية
  • التحول من تصدير الخام إلى صناعة القيمة

  • أرزيو وغارا جبيلات.. توسع السيادة خارج النفط التقليدي

احتفلت الجزائر هذا الأسبوع بالذكرى الخامسة والخمسين لتأميم المحروقات، في محطة تستحضر لحظة مفصلية من تاريخها الاقتصادي، لكنها تأتي هذه المرة في سياق مختلف عنوانه التحول الصناعي العميق.

فبين استرجاع السيادة على الثروة سنة 1971، والسعي اليوم إلى تثمينها وتصنيعها محليا، تبرز ملامح جيل جديد من السيادة الصناعية والطاقوية يتشكل بهدوء عبر مشاريع كبرى واستثمارات استراتيجية تعيد رسم موقع الجزائر في خريطة الطاقة والصناعة.

 

وإذا كان الاحتفال بذكرى التأميم يستحضر لحظة تاريخية فارقة، فإن أهميته اليوم تتجاوز بعدها الرمزي لتكشف عن نقطة التحول التي انتقلت فيها الجزائر من وضعية التبعية الطاقوية إلى استعادة زمام القرار الاقتصادي. ففي 24 فبراير 1971، كان القرار إعادة تموضع استراتيجي سمح للبلاد باسترجاع 51 بالمائة من أصول الشركات النفطية وكامل الحقول الغازية، ما شكل القاعدة الأولى للسيادة على أهم مورد اقتصادي في البلاد.

 

وقد مكن هذا التحول من نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، حيث أصبحت الدولة تتحكم في مسار الإنتاج والتسويق والعائدات، وهو ما أتاح توجيه الموارد المالية نحو تمويل مشاريع التنمية وبناء البنية التحتية الوطنية. فبسط السيادة على المحروقات لم يكن غاية في حد ذاته، بل أداة لبناء قدرة اقتصادية مستقلة، ترتكز على التحكم في الثروة وتوظيفها لخدمة خيارات التنمية الوطنية.

ومع مرور السنوات، تحول هذا القرار إلى حجر الأساس الذي بُنيت عليه المنظومة الطاقوية الجزائرية، وفي مقدمتها سوناطراك التي أصبحت الذراع المحورية للسياسة الطاقوية. وهكذا، لم يعد الحديث عن التأميم مقتصرا على استرجاع الحقول، بل عن تأسيس مرحلة كاملة من بناء القرار الاقتصادي الوطني، وهي المرحلة التي مهدت اليوم للانتقال نحو طموح أوسع يتجاوز مجرد الإنتاج إلى التحكم في كامل السلسلة الصناعية.

 

نصف قرن من الإنتاج.. ماذا تحقق فعليا؟

وإذا كان التأميم قد أسس لمرحلة استرجاع القرار، فإن العقود التي تلته شكلت اختبارا عمليا لقدرة الجزائر على تحويل السيادة السياسية إلى أداء اقتصادي ملموس. فعلى مدى أكثر من خمسة عقود، عملت البلاد على تطوير قدراتها في مجالات البحث والاستكشاف والإنتاج والنقل والتسييل، ما سمح ببناء صناعة نفطية وغازية متكاملة أصبحت اليوم من بين الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني.

وقد انعكس هذا المسار في تحقيق مستويات عالية من الاكتفاء الطاقوي، سواء في الوقود أو الغاز أو الكهرباء، إلى جانب ضمان تمويل جزء معتبر من برامج التنمية عبر العائدات المحققة من تصدير المحروقات. كما ساهمت الاستثمارات المتواصلة في توسيع شبكة الأنابيب والمنشآت الصناعية والموانئ الطاقوية، ما عزز مكانة الجزائر كمورد موثوق في الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية.

غير أن هذا التراكم في الإنتاج والبنية التحتية، رغم أهميته، كشف في الوقت ذاته عن حدود المرحلة الأولى من السيادة، التي ظلت تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام. فبعد تثبيت القدرة على التحكم في المورد وتأمين السوق الداخلية، برزت الحاجة إلى خطوة جديدة تتجاوز الإنتاج نحو تعميق التصنيع، وهو ما يمهد للانتقال من منطق الكمية إلى منطق القيمة، ومن السيادة على الثروة إلى السيادة على عوائدها الصناعية.

 

التحول من تصدير الخام إلى صناعة القيمة..

وإذا كانت المرحلة الأولى قد ركزت على تثبيت الإنتاج وتأمين السوق الوطنية، فإن المرحلة الحالية تطرح سؤالا مختلفا يتعلق بطبيعة العائد نفسه: هل يكفي تصدير النفط والغاز في شكلهما الخام، أم أن القيمة الحقيقية تكمن في تحويلهما إلى منتجات صناعية؟ هنا يبدأ التحول الجوهري، إذ لم يعد الرهان مقتصرا على حجم الصادرات، بل على مستوى التثمين داخل الوطن وقدرة الصناعة المحلية على استيعاب المورد وتحويله إلى مشتقات ذات قيمة مضافة أعلى.

فالانتقال من بيع الخام إلى تصنيع البنزين والمواد البتروكيميائية والأسمدة يعني عمليا التحكم في حلقات إضافية من سلسلة القيمة، وهي الحلقات التي تحقق الجزء الأكبر من الأرباح في الأسواق العالمية. وعندما تتحول الدولة من مصدر لمادة أولية إلى منتج لمادة مصنعة، فإنها لا تعزز عائداتها فحسب، بل توسع قاعدتها الصناعية وتخلق فرص عمل وتقلص اعتمادها على الواردات، بما يعزز توازنها الاقتصادي.

ومن هذا المنظور، يصبح التثمين الصناعي امتدادا طبيعيا للسيادة الطاقوية، بل تطورا لها. فإذا كان التأميم قد منح الجزائر السيطرة على المورد، فإن التحويل الصناعي يمنحها السيطرة على القيمة. وهكذا يتشكل منطق جديد قوامه الانتقال من اقتصاد قائم على استخراج الثروة إلى اقتصاد قائم على تصنيعها، وهو التحول الذي يمهد للمرحلة التالية من السيادة الصناعية والطاقوية.

 

60 مليار دولار.. أدوات الجيل الصناعي الجديد

وإذا كان التحول من تصدير الخام إلى صناعة القيمة يمثل الرؤية، فإن برنامج الاستثمارات المعلن للفترة 2025-2029 يشكل الأداة العملية لتجسيدها على أرض الواقع. فبغلاف مالي يقدر بـ60 مليار دولار، تراهن سوناطراك على رفع القدرات الإنتاجية وتعميق التثمين الصناعي، في خطوة تعكس انتقال السياسة الطاقوية من منطق الحفاظ على المكتسبات إلى منطق بناء مرحلة صناعية أكثر طموحا. ويرتكز هذا البرنامج على محورين متكاملين: مواصلة جهود البحث والاستكشاف والاستغلال لضمان استدامة المورد، إلى جانب إنجاز مشاريع صناعية كبرى لرفع نسبة تحويل المحروقات إلى منتجات ذات قيمة مضافة، من 32 بالمائة حاليا إلى 50 بالمائة في آفاق 2029. هذا الهدف لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل يعكس تحولا هيكليا في طبيعة الاقتصاد الطاقوي، حيث يصبح التصنيع جزءا أساسيا من المعادلة بدل أن يبقى النشاط الاستخراجي في الواجهة وحده. وفي هذا السياق، تندرج مشاريع تطوير البتروكيمياء، وإنتاج البولي بروبيلين، وإطلاق وحدة إنتاج “ميثيل ثالث بوتيل الإيثر” (MTBE)، إلى جانب مشاريع التكرير والتكسير بالبخار، ضمن تصور أشمل يسعى إلى إغلاق حلقات صناعية كانت تعتمد سابقا على الخارج. وهكذا يتحول البرنامج الاستثماري من مجرد خطة لرفع الإنتاج إلى منصة لبناء جيل صناعي جديد، يربط بين وفرة المورد وقدرة التحويل، ويمهد للانتقال نحو سيادة صناعية وطاقوية أكثر تكاملا.

 

أرزيو وغارا جبيلات.. توسع السيادة خارج النفط التقليدي

وإذا كان برنامج الاستثمارات الجديد يركز على تعميق التثمين داخل قطاع المحروقات، فإن ملامح الجيل الصناعي الجديد لا تقتصر على النفط والغاز وحدهما، بل تمتد إلى فضاءات أوسع تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للبلاد. ففي أرزيو، تتجسد مشاريع البتروكيمياء والتكرير كوحدات إنتاجية متقدمة تضيف قيمة حقيقية للمورد الطاقوي، بينما في الجنوب والشرق، تتشكل قاعدة منجمية وصناعية تعكس انتقالا نوعيا نحو تنويع مصادر الثروة.

فمشاريع مثل وحدة إنتاج “ميثيل ثالث بوتيل الإيثر” (MTBE) ووحدة الإصلاح التحفيزي للنافطا (CCR) بأرزيو لا تعني فقط تحسين جودة البنزين أو تقليص فاتورة الاستيراد، بل تشير إلى تحول هذه المناطق إلى أقطاب صناعية قادرة على احتضان سلاسل تحويل متكاملة.

وفي المقابل، يمثل منجم الحديد بغارا جبيلات والمشروع المندمج للفوسفات بولايتي تبسة وسوق أهراس توسعا في مفهوم السيادة ليشمل المعادن الاستراتيجية والصناعات الثقيلة المرتبطة بها، بما في ذلك إنتاج الأسمدة والمواد الأولية للصناعة.

وبهذا المعنى، لم تعد السيادة الصناعية والطاقوية مسألة قطاع واحد، بل مشروعا متكاملا يعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي داخل الوطن. فالربط بين الطاقة والمناجم والصناعات التحويلية يفتح المجال أمام قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا، تقلل من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الأسواق الدولية، وتمنح الجزائر أدوات إضافية للتموقع ضمن سلاسل القيمة العالمية، بعيدا عن النموذج التقليدي القائم على تصدير المواد الخام فقط.

 

هل تكتمل الحلقة الصناعية؟

ومع استعراض المسار من استرجاع المورد إلى تعميق التثمين وتوسيع القاعدة الصناعية، يبرز السؤال الجوهري: هل تنجح الجزائر في إغلاق الحلقة الصناعية كاملة؟ فامتلاك الحقول والبنية التحتية لم يعد وحده كافيًا في اقتصاد عالمي يقوم على سلاسل قيمة متشابكة، حيث تتحقق الأرباح الكبرى في مراحل التحويل والتوزيع والتصنيع المتقدم. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة المشاريع الجديدة على خلق ترابط صناعي دائم، لا مجرد وحدات إنتاج منفصلة.

إن اكتمال الحلقة يعني أن تتحول المواد الأولية، سواء كانت نفطا أو غازا أو حديدا أو فوسفاتا، إلى منتجات نهائية أو شبه نهائية تصنع محليا وتوجه للأسواق الداخلية والخارجية بقيمة مضافة عالية. كما يعني بناء شبكة صناعات مغذية ومساندة قادرة على دعم هذه المشاريع واستدامتها، بما يعزز النسيج الصناعي الوطني ويحد من الاعتماد على الخارج في المدخلات الأساسية. عندها فقط تصبح السيادة الصناعية والطاقوية واقعا متكاملا.

غير أن بلوغ هذه المرحلة يتطلب استمرارية في الاستثمار، وحوكمة فعالة، وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية في الطاقة والصناعة. فالسوق الدولية في تغير مستمر، والمنافسة على القيمة المضافة تتصاعد، ما يجعل من الرهان الحالي اختبارا حقيقيا للجيل الجديد من السيادة. وبين الطموح المعلن والمشاريع قيد الإنجاز، تتشكل معالم مرحلة قد تنقل الجزائر من بلد يتحكم في موارده، إلى بلد يتحكم في موقعه داخل الخريطة الصناعية العالمية.

 

حين تتحول الثروة إلى قوة صناعية..

وفي ضوء ما سبق، لا يبدو أن النقاش اليوم يدور حول مجرد استذكار محطة تاريخية، بل حول كيفية توظيف إرثها في بناء مرحلة أكثر تعقيدا ونضجا اقتصاديا. فالتحول الجاري يعكس إدراكا بأن الثروة في حد ذاتها لا تكفي، وأن القيمة الحقيقية تتولد حين تتحول الموارد إلى صناعة قادرة على خلق أثر دائم داخل الاقتصاد الوطني. وبين منطق الاستخراج ومنطق التصنيع، تتشكل رؤية جديدة تجعل من الطاقة والمناجم قاعدة لانطلاقة أوسع نحو اقتصاد أكثر تنوعا واستقرارا.

كما أن تزامن المشاريع الطاقوية والمنجمية مع توسع البنية الصناعية يشير إلى محاولة رسم معادلة متكاملة، قوامها الربط بين المورد والتحويل والسوق. هذه المعادلة، إذا ما اكتملت حلقاتها، ستمنح الجزائر قدرة أكبر على التحكم في مسارها الاقتصادي وتقليص تأثرها بتقلبات الأسواق العالمية. فالرهان لم يعد فقط على حجم الإنتاج، بل على عمق التصنيع، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة سلاسل قيمة متكاملة تخلق ثروة مضاعفة.

وفي هذا السياق، يتجاوز مفهوم السيادة بعده الرمزي ليصبح مشروعا عمليا طويل المدى، يقوم على الاستمرارية والفعالية والابتكار. فنجاح الجيل الجديد من السيادة الصناعية والطاقوية لن يُقاس بعدد المشاريع فحسب، بل بقدرتها على إحداث تحول هيكلي مستدام في بنية الاقتصاد الوطني. وبين ما تحقق وما هو قيد الإنجاز، تتحدد ملامح مرحلة قد ترسخ انتقال الجزائر من اقتصاد يعتمد على المورد، إلى اقتصاد يصنع قيمته بيده ويعيد تموضعه بثقة في محيطه الإقليمي والدولي.

مصطفى. ع