حضور ثابت في سباق الطاقة القاري

نفط إفريقيا.. الجزائر ضمن الكبار

نفط إفريقيا.. الجزائر ضمن الكبار
  • 934 ألف برميل يوميا.. أرقام تصنع المكانة

  • الاحتياطات المؤكدة ترسم مستقبل النفوذ الطاقوي

 

تواصل الجزائر ترسيخ موقعها ضمن كبار منتجي النفط في القارة الإفريقية خلال سنة 2025، وفق معطيات حديثة كشفتها منصات مختصة في أبحاث الطاقة، حيث حلّت في المرتبة الرابعة إفريقيا بمتوسط إنتاج يومي بلغ 934 ألف برميل، مدعومة باحتياطات مؤكدة تُقدّر بـ12 مليار برميل. أرقام تعكس وزن الجزائر الطاقوي ودورها المحوري في توازنات سوق النفط الإفريقي.

تُثبت الأرقام الحديثة، أن الجزائر تواصل الحفاظ على مكانتها ضمن كبار منتجي النفط في القارة الإفريقية، حيث جاءت في المرتبة الرابعة خلال سنة 2025 بمتوسط إنتاج يومي قُدّر بـ934 ألف برميل. هذا التصنيف يعكس استقرار الأداء الطاقوي للبلاد، وقدرتها على الحفاظ على مستويات إنتاج متوازنة رغم التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية وتأثيرات التحولات الجيوسياسية والاقتصادية. ويأتي هذا الترتيب ليؤكد الدور المحوري الذي تلعبه الجزائر في خارطة الطاقة الإفريقية، إلى جانب دول منتجة كبرى مثل نيجيريا وليبيا وأنغولا. فالحضور الجزائري لا يقتصر على حجم الإنتاج فقط، بل يمتد إلى الاستقرار النسبي في الإمدادات، ما يجعلها شريكا موثوقا في تزويد الأسواق الإقليمية والدولية بالطاقة. وفي هذا السياق، يبرز نجاح الجزائر في الحفاظ على موقعها المتقدم بفضل استثمارات متواصلة في قطاع المحروقات، وتحديث البنى التحتية للإنتاج، إضافة إلى اعتماد سياسات تهدف إلى رفع المردودية وتحسين كفاءة الاستغلال. كما ساهمت الخبرة المتراكمة لشركة سوناطراك في ترسيخ هذا الأداء، من خلال تطوير الحقول القائمة واستكشاف مكامن جديدة. ومع استمرار الطلب العالمي على النفط، تواصل الجزائر العمل على تعزيز حضورها في السوق الإفريقية والدولية، مستندة إلى مزيج من الاستقرار الإنتاجي والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. هذا التوجه يعكس إرادة واضحة للحفاظ على موقع متقدم ضمن كبار المنتجين، بما يخدم مصالح الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة البلاد في معادلة الطاقة الإقليمية.

 

أرقام الإنتاج.. ماذا تعني فعليا؟

ويعكس متوسط الإنتاج اليومي البالغ 934 ألف برميل حجم النشاط الحقيقي لقطاع النفط الجزائري خلال سنة 2025، وهو رقم يُحسب استنادا إلى مجموع الكميات المنتجة على مدار السنة مقسومة على عدد أيامها، ما يمنح صورة دقيقة عن القدرة الإنتاجية المستقرة للبلاد. هذا المعدل لا يمثل ذروة ظرفية، بل يعكس نسقا شبه منتظم في الاستغلال، مدعوما باستمرارية تشغيل الحقول الكبرى وصيانة المنشآت وفق برامج دقيقة تحافظ على وتيرة الإنتاج دون اضطرابات مؤثرة. ويُظهر تتبع هذا المؤشر مقارنة بالسنوات السابقة مسارا متوازنا، إذ حافظت الجزائر على مستويات قريبة من هذا المعدل رغم التحديات المرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية والتزاماتها داخل تحالفات ضبط السوق. ففي بعض الفترات شهد الإنتاج ارتفاعا طفيفا أو انخفاضا محسوبا وفقا للاتفاقيات الدولية، إلا أن المنحنى العام بقي مستقرا، ما يعكس قدرة الجزائر على التكيف مع المتغيرات الخارجية دون المساس بجوهر أدائها الطاقوي. هذا الاستقرار الإنتاجي ينعكس مباشرة على حجم الصادرات، حيث تشكل الكميات الموجهة للأسواق الخارجية ركيزة أساسية في مداخيل الدولة من العملة الصعبة. فكل زيادة أو تراجع في الإنتاج اليومي تُترجم تلقائيا إلى أثر ملموس على عائدات التصدير، خاصة في ظل ارتباط الأسعار بحركة الأسواق العالمية، وهو ما يجعل إدارة الإنتاج مسألة استراتيجية تتجاوز البعد التقني إلى حسابات اقتصادية دقيقة. أما على مستوى الميزان التجاري، فيُعد هذا الرقم عنصرا حاسمًا في الحفاظ على التوازن المالي للدولة، إذ تساهم صادرات النفط بشكل كبير في تقليص عجز الميزان التجاري أو تحقيق فوائض عند ارتفاع الأسعار. ومع استمرار الطلب الخارجي، يبقى متوسط الإنتاج اليومي أحد المؤشرات الرئيسية التي تبنى عليها التوقعات الاقتصادية، وتُرسم من خلالها سياسات الاستثمار والإنفاق العمومي، بما يضمن استدامة الموارد وتعزيز الاستقرار المالي على المدى المتوسط والبعيد.

 

الجزائر الرابعة إفريقيا.. من يسبقها؟

تسبق الجزائر في ترتيب كبار منتجي النفط في إفريقيا ثلاث دول رئيسية هي نيجيريا وليبيا وأنغولا، حيث تتصدر نيجيريا القائمة بفضل طاقتها الإنتاجية الكبيرة واحتياطاتها الضخمة، رغم ما تعرفه من اضطرابات أمنية وتقلبات في الإنتاج. وتأتي ليبيا في المرتبة الثانية مستندة إلى احتياطات معتبرة، لكنها تعاني من عدم الاستقرار السياسي الذي يؤثر مباشرة على مستويات الإنتاج، فيما تحتل أنغولا المرتبة الثالثة باعتمادها على حقول بحرية متطورة واستثمارات أجنبية واسعة. وتُظهر الفوارق في الإنتاج بين هذه الدول والجزائر اختلافات واضحة في القدرات اليومية، إذ يفوق إنتاج نيجيريا حاجز المليون برميل يوميًا في فترات الاستقرار، بينما تتأرجح ليبيا بين الارتفاع والانخفاض حسب الوضع الأمني، في حين تحافظ أنغولا على معدل إنتاج أعلى نسبيًا بفضل مشاريع الاستكشاف البحرية. بالمقابل، يظل إنتاج الجزائر في حدود 934 ألف برميل يوميًا، وهو رقم مستقر يعكس نهجًا يقوم على التوازن والاستدامة بدل الاندفاع نحو الرفع السريع للإنتاج. ويعود هذا الترتيب الحالي إلى عدة عوامل، أبرزها طبيعة الاحتياطات المتاحة، ومستوى الاستثمارات، والسياسات الإنتاجية المعتمدة، إضافة إلى الاعتبارات الجيوسياسية والتزامات الدول داخل تحالفات تنظيم السوق. فالجزائر تلتزم بسياسة إنتاج عقلانية تحافظ على حقولها على المدى الطويل، بينما تعتمد بعض الدول الأخرى على تكثيف الإنتاج لتعويض ضغوط اقتصادية داخلية أو متطلبات مالية عاجلة. ورغم هذا الترتيب، تملك الجزائر فرصا حقيقية لتحسين موقعها مستقبلا، خاصة في حال تسريع وتيرة الاستكشاف في الحقول الجديدة وتطوير التقنيات المعتمدة في الاستخراج، إضافة إلى جذب استثمارات أجنبية نوعية في القطاع. كما أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي تنعم به البلاد مقارنة ببعض المنتجين الآخرين يمنحها أفضلية استراتيجية قد تسمح لها، على المدى المتوسط، بمنافسة المراتب الثلاث الأولى في حال توفرت الشروط التقنية والمالية اللازمة.

 

الاحتياطات المؤكدة.. قوة تحت الأرض

تُقدَّر الاحتياطات المؤكدة من النفط في الجزائر بنحو 12 مليار برميل، وهو رقم يضع البلاد ضمن الدول الإفريقية ذات الثقل الحقيقي في خريطة الطاقة. هذه الكمية الكبيرة المخزنة في باطن الأرض تمثل رصيدا استراتيجيا طويل المدى، يمنح الجزائر هامشا واسعا للمناورة في سياساتها الإنتاجية، ويعزز قدرتها على تلبية الطلب الداخلي وضمان حضور مستقر في الأسواق الخارجية. وعندما نتحدث عن “احتياطات مؤكدة”، فإن المقصود هو الكميات التي تم اكتشافها وثبت علميا وتقنيا إمكانية استخراجها اقتصاديا وفق المعايير الحالية. أي أنها ليست تقديرات افتراضية، بل أرقام مدعومة بدراسات جيولوجية وتقنية دقيقة، ما يجعلها قاعدة موثوقة لبناء الخطط والاستراتيجيات الوطنية في مجال الطاقة، سواء على مستوى الإنتاج أو الاستثمار أو التصدير. وبفضل هذا الرصيد، تحتل الجزائر موقعا متقدما ضمن القارة الإفريقية من حيث حجم الاحتياطات، إلى جانب دول مثل ليبيا ونيجيريا وأنغولا. هذا الموقع يمنحها ثقلا تفاوضيا داخل المنظمات الإقليمية والدولية، ويجعلها لاعبا مؤثرا في التوازنات الطاقوية الإفريقية، خاصة في ظل التحولات العالمية التي تعيد رسم خريطة الإمدادات. ويبرز دور هذه الاحتياطات في رسم السياسات الطاقوية للجزائر، حيث تسمح بتبني مقاربة تقوم على الاستدامة وحسن الاستغلال بدل الاستنزاف السريع. فالدولة تعتمد على رؤية طويلة المدى تهدف إلى الحفاظ على الثروة الوطنية للأجيال القادمة، مع الاستثمار في تطوير الحقول الحالية والبحث عن مكامن جديدة، بالتوازي مع تنويع مصادر الطاقة استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط.

 

خريطة النفط الإفريقي.. توزيع الثروة

تعكس خريطة النفط الإفريقي عن تركز أغلب مناطق الإنتاج في أقاليم محددة دون غيرها. فالشريط الساحلي الممتد من شمال إفريقيا إلى غربها يحتضن النسبة الأكبر من الحقول النفطية الكبرى، ما يجعل هذه المناطق القلب النابض لصناعة النفط الإفريقية ومحورًا رئيسيًا في حركة التصدير نحو الأسواق العالمية. ويبرز تمركز النفط بشكل واضح في دول شمال إفريقيا مثل الجزائر وليبيا، وفي غرب القارة على غرار نيجيريا وأنغولا، حيث تتوفر بنى تحتية متطورة نسبيًا تسمح بإنتاج كميات ضخمة وتصديرها عبر الموانئ البحرية. هذا التمركز الجغرافي خلق نوعا من التفاوت بين دول منتجة تمتلك نفوذا اقتصاديا، وأخرى تفتقر إلى الموارد الطاقوية وتعتمد على الاستيراد لتغطية حاجياتها. هذه المعطيات أفرزت توازنات قوة طاقوية داخل القارة، حيث تلعب الدول المنتجة دورا محوريا في تحديد اتجاهات السوق الإفريقية، سواء من حيث الأسعار أو الإمدادات. كما تمنحها هذه المكانة قدرة أكبر على التأثير في القرارات الإقليمية المرتبطة بالطاقة والتنمية، وتفتح لها أبواب الشراكات الدولية والاستثمارات الأجنبية في القطاع. وتحمل هذه الخريطة، دلالات سياسية واقتصادية عميقة، إذ ترتبط الثروة النفطية غالبًا بعلاقات نفوذ وتأثير إقليمي ودولي. فالنفط لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح أداة استراتيجية تستخدمها الدول لتعزيز حضورها الدبلوماسي وبناء تحالفات، وهو ما يجعل من خريطة النفط الإفريقي عنصرًا أساسيًا لفهم موازين القوى داخل القارة ومستقبلها الطاقوي.

 

رهانات الجزائر الطاقوية في المرحلة القادمة

تدخل الجزائر المرحلة القادمة وهي تستند إلى موقع طاقوي مُثبت داخل إفريقيا، ما يفتح أمامها هامشا أوسع لتحويل “الترتيب” إلى نفوذ اقتصادي فعلي. فالحفاظ على متوسط إنتاج مستقر ليس هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لتأمين عائدات الصادرات، وتعزيز القدرة على التفاوض في الشراكات الطاقوية، وتثبيت صورة الجزائر كمورد موثوق في محيط يعرف تقلبات سياسية وإنتاجية متكررة. ومن هذا المنطلق، تصبح الاستفادة من الموقع مرتبطة بمدى نجاح الجزائر في إدارة مزيج معقد بين الإنتاج، الاستثمار، والأسواق. وفي قلب هذه الرهانات، تبرز مشاريع الاستكشاف والتطوير باعتبارها رافعة أساسية لضمان استمرارية الأداء الطاقوي. فالمعادلة في سوق النفط لم تعد قائمة فقط على ما ينتَج اليوم، بل على ما يُكتشف ويُطوَّر لسنوات قادمة. وهنا يبرز دور عمليات البحث عن مكامن جديدة، وتوسيع استغلال الحقول القائمة، ورفع مردودية الإنتاج عبر التحديث التقني، وهو ما ينعكس على قدرة الجزائر على المحافظة على مستوى إنتاج تنافسي داخل إفريقيا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على احتياطات استراتيجية تُؤمّن الاستقرار في المدى المتوسط والطويل. وبالتوازي، يفرض التحول الطاقوي العالمي نفسه كعامل لا يمكن تجاوزه في حسابات المرحلة المقبلة، لأن مستقبل النفط لم يعد يُقرأ بمعزل عن الضغوط البيئية، وتغير سياسات الاستهلاك في الأسواق الكبرى، وتوسع بدائل الطاقة. وهذا يعني أن الجزائر مطالبة بأن تُدير انتقالها بذكاء: لا عبر الانسحاب من النفط، بل عبر استثمار عوائده في تحديث القطاع، وتوسيع مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين الكفاءة الطاقوية، بما يحافظ على موقعها في سوق النفط، دون أن تجد نفسها لاحقًا أمام تراجع في الطلب أو منافسة أقسى من منتجين آخرين أكثر جاهزية للتكيف.

مصطفى. ع