-
ترامب يتحدث عن “قرب نهاية الحرب”.. نتنياهو يخفف لهجته.. وطهران ترفع سقف التحدي
-
صواريخ وضربات متبادلة تبطل رواية “الحسم السريع” والميدان يكشف تعقيدات لم تكن في الحسبان
في وقت كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني تراهنان على حسم سريع للمواجهة مع إيران، تشير التطورات الأخيرة إلى واقع أكثر تعقيدا مما كان متوقعا.
فمع استمرار الضربات المتبادلة واتساع التوتر في المنطقة، بدأت نبرة التصريحات الصادرة عن واشنطن وتل أبيب تميل إلى الحديث عن نهاية قريبة للحرب. هذا التحول في الخطاب السياسي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحسابات الأولية قد اصطدمت بمقاومة إيرانية وتحديات ميدانية لم تكن في الحسبان.
في سياق التصعيد المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، تبدو ملامح الرهان الأولي الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب أكثر وضوحا. فمع بداية المواجهة، سادت لدى الطرفين قناعة بأن توجيه ضربات عسكرية مركزة وسريعة ضد أهداف استراتيجية داخل إيران قد يحقق ما يشبه “الصدمة العسكرية”، القادرة على إرباك القيادة الإيرانية وإضعاف قدرتها على الرد، وربما دفعها إلى القبول بشروط سياسية جديدة في وقت قياسي.
هذا التصور لم يكن معزولا عن تجارب سابقة في الحروب الحديثة، حيث تراهن بعض القوى الكبرى على ما يعرف في الأدبيات العسكرية بمفهوم “الضربة الساحقة الأولى”، التي تهدف إلى شل القدرات الدفاعية والقيادية للخصم خلال الساعات أو الأيام الأولى من المواجهة. وبناء على هذا المنطق، جرى الاعتقاد بأن التفوق العسكري والتكنولوجي قد يسمح بتحقيق نتائج سريعة، خصوصا عبر استهداف مواقع حساسة مرتبطة بالبرنامجين العسكري والنووي الإيراني.
كما راهن صناع القرار في واشنطن والكيان الصهيوني على أن الضغوط الاقتصادية التي تعيشها إيران، إلى جانب العقوبات الممتدة منذ سنوات، قد تجعل قدرتها على خوض مواجهة طويلة محدودة نسبيا. ووفق هذا التقدير، فإن توجيه ضربات قوية في بداية الحرب قد يؤدي إلى إحداث ارتباك داخلي واسع، وربما يفتح الباب أمام ضغوط سياسية داخلية على القيادة الإيرانية تدفعها إلى التراجع أو البحث عن تسوية سريعة.
غير أن هذه الحسابات الأولية بدأت تواجه اختبارا صعبا مع تطورات الميدان، حيث أظهرت الساعات والأيام الأولى أن المشهد أكثر تعقيدا مما تصورته بعض الدوائر السياسية والعسكرية. فبدلا من الانهيار السريع الذي كان متوقعا، دخلت المواجهة مرحلة من الضربات المتبادلة والتصعيد التدريجي، وهو ما بدأ يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى واقعية الرهان على حسم سريع في واحدة من أكثر الأزمات حساسية في الشرق الأوسط.
صواريخ وضربات متبادلة.. الميدان يكشف تعقيدات لم تكن في الحسبان
ومع اتضاح ملامح الرهان الأولي على حسم سريع، بدأت التطورات الميدانية تكشف واقعا أكثر تعقيدا. فبدلا من تحقيق تفوق حاسم في الأيام الأولى، دخلت المواجهة مرحلة من الضربات المتبادلة، حيث تبادلت إيران والكيان الصهيوني إطلاق الصواريخ واستهداف مواقع عسكرية وحيوية، ما أدى إلى توسيع دائرة التوتر ورفع مستوى المخاطر في المنطقة.
هذا التصعيد المتبادل أظهر أن قدرات الرد لدى إيران لا تزال حاضرة بقوة، سواء من خلال الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة، وهو ما فرض معادلة جديدة على مسار المواجهة. فكل ضربة كانت تقابل برد مماثل أو أكثر تعقيدا، الأمر الذي جعل ساحة الصراع تتحول تدريجيا إلى حرب استنزاف محدودة الإيقاع، بدل أن تكون مواجهة قصيرة محسومة النتائج.
وفي ظل هذا المشهد، برزت تحديات ميدانية لم تكن ضمن الحسابات الأولية لبعض الدوائر العسكرية. فالمسافات الجغرافية، وتعدد مسارح التوتر في الشرق الأوسط، إضافة إلى حساسية البنية التحتية للطاقة والملاحة الدولية، كلها عوامل جعلت إدارة المواجهة أكثر تعقيدا، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضا من زاوية التداعيات الاقتصادية والسياسية.
ومع استمرار تبادل الضربات، بدأ يتضح أن ميزان المعركة لا يُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضا بقدرة الأطراف على تحمل كلفة التصعيد وإدارته على المدى المتوسط. وهنا تحديدا، بدأت الأسئلة تبرز داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول ما إذا كانت الحسابات الأولية للحرب قد اصطدمت بواقع ميداني أكثر تشابكا مما كان متوقعا في بداية الأزمة.
تصريحات متناقضة لترامب.. بين “انتصارات كبيرة” و”حرب تقترب من النهاية”
ومع تعقّد المشهد الميداني وتواصل الضربات المتبادلة، انتقلت حالة الارتباك تدريجيا إلى الخطاب السياسي، خاصة في واشنطن. فقد بدت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متباينة في توصيف مسار المواجهة، إذ تحدث في بعض المواقف عن “انتصارات كبيرة” تحققت ضد إيران، بينما ألمح في مواقف أخرى إلى أن الحرب “قد تقترب من نهايتها”، في خطاب عكس قدرا من التناقض في قراءة تطورات الصراع. هذا التباين في التصريحات أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول طبيعة التقييم الأمريكي الحقيقي لمسار الحرب. فبينما كانت بعض التصريحات تميل إلى إظهار تفوق عسكري واضح، بدت تصريحات أخرى أكثر حذرا، ما يوحي بأن الحسابات الميدانية لا تسير بالكامل وفق السيناريو الذي كان مطروحا في بداية المواجهة. كما عكست هذه الرسائل المتباينة محاولة واضحة لإدارة الرأي العام، سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى الحلفاء في المنطقة. ففي أوقات التصعيد، كان الخطاب يميل إلى إبراز القوة والقدرة على تحقيق نتائج سريعة، بينما في لحظات التوتر المتزايد، ظهرت نبرة تميل إلى التهدئة والتأكيد على أن الصراع قد لا يطول كثيرا. وفي ظل هذا التباين في الخطاب السياسي، بدا أن التطورات العسكرية المتسارعة فرضت إيقاعها على التصريحات الرسمية، لتتحول لغة الحسم السريع إلى خطاب أكثر حذرا. وهو ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التساؤلات حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة من المواجهة، خاصة مع تزايد المؤشرات على أن الحرب قد تكون أكثر تعقيدا مما كان متوقعا في بدايتها.
نتنياهو يخفف لهجته.. من إسقاط النظام الإيراني إلى انتظار إرادة الشعب
وبالتوازي مع التباين الذي ظهر في الخطاب الأمريكي، برز تحول لافت أيضا في تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنجامين نتنياهو بشأن أهداف الحرب ضد إيران. ففي الأيام الأولى للتصعيد، كان نتنياهو يتحدث صراحة عن إمكانية إسقاط النظام الإيراني، معتبرا أن الضربات العسكرية قد تفتح الباب أمام تغيير جذري في طبيعة الحكم داخل طهران. غير أن نبرة التصريحات بدأت تتغير تدريجيا مع استمرار المواجهة، حيث بدا أن الخطاب الرسمي أصبح أكثر حذرا في تحديد الأهداف النهائية للحرب. ففي تصريحات لاحقة، أشار نتنياهو إلى أن تغيير النظام في إيران ليس قرارا يمكن فرضه من الخارج، بل هو أمر يعود في النهاية إلى إرادة الشعب الإيراني نفسه، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لإعادة صياغة أهداف الصراع. هذا التحول في اللغة السياسية يعكس، بحسب محللين، إدراكا متزايدا لتعقيدات المشهد الإيراني والإقليمي. فإسقاط نظام سياسي بحجم وتعقيد النظام الإيراني يتطلب ظروفا داخلية ودولية مختلفة تماما عن مجرد توجيه ضربات عسكرية، وهو ما جعل بعض الدوائر السياسية تتجنب الحديث المباشر عن هذا الهدف بعد أن كان مطروحا بقوة في بداية الحرب. وفي هذا السياق، يرى متابعون أن تراجع الحديث عن “تغيير النظام” قد يكون مؤشرا على إعادة ترتيب الأولويات في الخطاب السياسي للكيان الصهيوني، بحيث يتم التركيز على أهداف أكثر واقعية مثل تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وتعزيز الأمن الإقليمي. وهو تحول يعكس بدوره أن مسار المواجهة لم يسر بالسرعة أو الاتجاه الذي كانت تتوقعه بعض القيادات مع بداية التصعيد.
طهران ترفع سقف التحدي.. لا حديث عن نهاية الحرب أو العودة للتفاوض
وفي مقابل التحول النسبي الذي بدأ يظهر في خطاب واشنطن والكيان الصهيوني، جاءت الرسائل الصادرة من طهران أكثر تشددا، حيث أكدت القيادة الإيرانية أن الحرب لم تصل إلى نهايتها وأن البلاد مستعدة لمواصلة المواجهة ما دامت الضربات العسكرية مستمرة. وقد عكس هذا الموقف إصرارا واضحا على أن إيران لا تنظر إلى التطورات الحالية باعتبارها مرحلة لخفض التصعيد، بل كصراع مفتوح تفرضه الظروف الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة قد انتهى في المرحلة الراهنة، مشيرا إلى أن طهران لا ترى جدوى في العودة إلى طاولة المفاوضات بعد الضربات التي تعرضت لها البلاد. كما شدد على أن التصورات التي تحدثت في بداية الحرب عن تحقيق نصر سريع أو تغيير النظام خلال أيام قليلة لم تكن واقعية. كما اتهمت طهران واشنطن والكيان الصهيوني بمحاولة فرض معادلة عسكرية عبر الضربات الجوية واستهداف البنية التحتية، مؤكدة أن ما يجري يمثل “عدوانا غير قانوني” وأن الرد الإيراني يأتي في إطار الدفاع عن النفس. وفي هذا السياق، أكدت السلطات الإيرانية استعدادها لمواصلة استهداف القوات الأمريكية في المنطقة إذا استمرت العمليات العسكرية ضدها. هذا الموقف المتشدد يعكس، وفق مراقبين، رغبة إيرانية في تثبيت معادلة ردع جديدة في المنطقة، تقوم على إظهار القدرة على الصمود والاستمرار في المواجهة رغم الضغوط العسكرية والسياسية. ومع استمرار تبادل الرسائل العسكرية والسياسية، يبدو أن طهران تسعى إلى إثبات أن الحرب لن تكون قصيرة أو سهلة كما كان يُتوقع في بعض التقديرات الأولية مع بداية التصعيد. هل تبحث واشنطن وتل أبيب عن مخرج؟ مؤشرات على تغير حسابات المواجهة. ومع تباين الخطاب السياسي في واشنطن وتل أبيب من جهة، وتصاعد نبرة التحدي في طهران من جهة أخرى، بدأت تبرز تساؤلات متزايدة في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يعيدان بالفعل تقييم حساباتهما بشأن مسار الحرب. فبعد مرحلة من التصريحات التي تحدثت عن حسم سريع وأهداف كبرى، أصبحت الرسائل السياسية أكثر حذرا، مع تركيز متزايد على إدارة التصعيد وتفادي اتساع رقعة المواجهة. ويرى مراقبون، أن هذا التحول قد يعكس إدراكا تدريجيا لتعقيدات الحرب وتداعياتها الإقليمية. فاستمرار المواجهة العسكرية في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط لا يحمل فقط أبعادا أمنية، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، والاستقرار السياسي في عدد من دول المنطقة، وهو ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد محفوفا بمخاطر يصعب احتواؤها. كما أن الضغوط الدولية المتزايدة، إلى جانب المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، قد تدفع بعض الأطراف إلى البحث عن مخرج سياسي أو عسكري يخفف من حدة التصعيد دون أن يبدو وكأنه تراجع صريح عن الأهداف المعلنة في بداية الحرب. وفي مثل هذه الحالات، غالبا ما تلجأ الدول إلى إعادة صياغة خطابها السياسي بما يسمح بفتح الباب أمام خيارات جديدة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار المواجهة العسكرية بوتيرة متقطعة أو الانتقال تدريجيا نحو مسار لاحتواء الأزمة. غير أن المؤكد، بحسب متابعين، هو أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الرهان على حرب قصيرة وسريعة لم يعد يبدو بالوضوح نفسه الذي كان سائدا في الأيام الأولى من التصعيد.
مصطفى. ع