توجيهات رئاسية لتحرير الفلاحة من البيروقراطية

هل تبدأ الثورة الميدانية في القطاع الفلاحي؟

هل تبدأ الثورة الميدانية في القطاع الفلاحي؟
  • من القرار إلى الحصاد.. مكاسب مباشرة للفلاح والمستهلك والأمن الغذائي

في آخر اجتماع لمجلس الوزراء، شدد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على ضرورة تكريس العمل الميداني والتحرير الفوري لقطاع الفلاحة من النزعة البيروقراطية التي وصفها بالمتجذرة، مؤكدا أن المرحلة تتطلب قرارات عملية سريعة ترفع مردودية الإنتاج وتسرع وتيرة الأداء، في سياق وطني يسعى إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين فعالية تسيير هذا القطاع الحيوي.

وجاء في بيان مجلس الوزراء، أن رئيس الجمهورية شدد صراحة على “أهمية العمل الميداني” في قطاع الفلاحة، معتبرا أن النزعة البيروقراطية تبدو “متجذرة جدا” داخله، وهو توصيف يحمل دلالة واضحة على عمق الإشكال المطروح. كما نبه إلى ضرورة التحرير الفوري للقطاع من هذه الممارسات، في إشارة إلى طابع الاستعجال الذي يطبع المرحلة، وضرورة الانتقال من المعالجة النظرية إلى إجراءات عملية على الأرض. ويأتي هذا التوجيه في سياق وطني يرتبط مباشرة بديناميكية الإنتاج الفلاحي، خاصة مع اقتراب مواسم الحصاد في عدد من المناطق، وما يرافقها من تحديات مرتبطة بالمردودية والتنظيم والسرعة في اتخاذ القرار. فرفع الإنتاج وتحسين الأداء بات أولوية استراتيجية تتطلب إدارة أكثر مرونة، قادرة على مواكبة احتياجات الفلاحين وتسريع وتيرة التنفيذ بما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي الوطني.

 

من المكاتب إلى الحقول.. تغيير في فلسفة التسيير

وإذا كان القرار قد وضع الأصبع على مكمن الخلل، فإن جوهر التوجيه الرئاسي يتجه نحو إعادة صياغة فلسفة التسيير داخل القطاع، بالانتقال من إدارة ورقية تقليدية إلى حضور فعلي في الميدان. فالعمل الميداني لا يعني مجرد زيارات ظرفية، بل مرافقة يومية للفلاح، واستماع مباشر لانشغالاته، واتخاذ قرارات سريعة في مكان الإنتاج نفسه. هذا التحول يعكس توجها واضحا لتقليص المسافة بين الإدارة والحقول، وجعل القرار أقرب إلى الواقع الزراعي. وفي السياق ذاته، فإن ترسيخ ثقافة العمل الميداني من شأنه أن يسرّع وتيرة معالجة الملفات، ويحد من التعقيدات الإجرائية التي تعطل أحيانا المشاريع أو المواسم الفلاحية. فكل يوم تأخير في قطاع مرتبط بدورات طبيعية ومواسم محددة قد يعني خسارة في الإنتاج. ومن هنا، يصبح تحويل الإدارة من عائق بيروقراطي إلى أداة دعم فعالة خطوة أساسية لضمان مردودية أعلى واستجابة أسرع لاحتياجات الفلاحين عبر مختلف ولايات الوطن.

 

البيروقراطية كعائق إنتاج.. حان وقت القطع

وإذا كان الانتقال إلى العمل الميداني يمثل الوجه العملي للتوجيه، فإن تشخيص البيروقراطية كظاهرة “متجذرة جدا” يكشف في المقابل عن إدراك رسمي لكونها أحد العوائق الأساسية أمام ديناميكية القطاع. فتعقيد الإجراءات، وطول المسارات الإدارية، وتعدد مستويات القرار قد يؤثر مباشرة على وتيرة تنفيذ البرامج الفلاحية، خاصة في قطاع يرتبط بعوامل زمنية دقيقة لا تحتمل التأخير. غير أن الدعوة إلى التحرير لا تعني بالضرورة إلغاء الأطر التنظيمية أو تجاوز قواعد التسيير، بل إعادة ضبطها بما يخدم الهدف الإنتاجي. فالتنظيم يبقى ضرورة، لكن حين يتحول إلى عبء يبطئ المبادرات ويثقل كاهل الفلاح، يصبح إصلاحه أولوية. ومن هذا المنطلق، يبرز التوجيه الرئاسي كدعوة لإعادة التوازن بين الانضباط الإداري والمرونة الميدانية، بما يسمح للقطاع بأن يعمل بوتيرة أسرع وأكثر فعالية.

 

هل نشهد بداية إصلاح هيكلي؟

وفي امتداد طبيعي لما سبق، فإن صيغة التعليمات التي صدرت خلال اجتماع مجلس الوزراء تعكس أكثر من مجرد توصية عابرة، إذ جاءت في شكل أوامر مباشرة تؤكد على الطابع الجدي للتوجه الجديد. فالتشديد على التحرير “الفوري” من النزعة البيروقراطية، مقرونا بالدعوة الصريحة إلى تكريس العمل الميداني، يوحي بأن المسألة لم تعد مطروحة للنقاش النظري، بل دخلت مرحلة التنفيذ والمتابعة، وهو ما يعكس مستوى عاليا من الاهتمام السياسي بالقطاع الفلاحي. وفي هذا الإطار، يبرز السؤال حول ما إذا كان هذا التوجيه يمثل بداية مسار إصلاحي أوسع داخل المنظومة الفلاحية، يتجاوز معالجة بعض الاختلالات الظرفية إلى إعادة ترتيب طرق التسيير بشكل أكثر استدامة. فحين يرتبط القرار بأهداف واضحة تتعلق بالمردودية وتسريع الأداء، فإنه يفتح المجال أمام تحولات أعمق قد تعيد رسم العلاقة بين الإدارة والإنتاج، دون الجزم بمآلاتها، لكن مع الإشارة إلى أن المؤشرات الحالية توحي برغبة في إحداث تغيير ملموس داخل القطاع.

 

من القرار إلى الحصاد.. ماذا يعني ذلك للفلاح والمستهلك والأمن الغذائي؟

وبالانتقال من مستوى التوجيه إلى مستوى الأثر الفعلي، فإن أول المستفيدين من هذا التحول المفترض هو الفلاح نفسه. فحين تُختصر المسارات الإدارية وتُتخذ القرارات في الميدان، يتراجع عنصر الانتظار الذي كان يثقل كاهل المنتجين، خاصة في فترات حرجة مرتبطة بالزرع أو السقي أو الحصاد. الفلاح الذي كان يضطر أحيانا للتنقل بين الإدارات بحثا عن توقيع أو ترخيص، قد يجد نفسه أمام إدارة أقرب إليه وأكثر تفاعلا مع احتياجاته اليومية. كما أن تقليص البيروقراطية ينعكس مباشرة على الثقة بين الفلاح والمؤسسة، إذ تتحول العلاقة من طابع إداري جامد إلى شراكة عملية هدفها إنجاح الموسم. ومع تحسن سرعة الاستجابة وتبسيط الإجراءات، يصبح الفلاح أكثر قدرة على التخطيط والاستثمار في أرضه بثقة أكبر، ما يعزز الاستقرار المهني ويشجع على توسيع المساحات المزروعة ورفع مستويات الإنتاج.

أما على مستوى دورة الإنتاج، فإن القرار يحمل دلالة زمنية بالغة الأهمية، لأن القطاع الفلاحي يرتبط بإيقاع طبيعي لا ينتظر التعقيدات الإدارية. كل تأخير في توفير المعدات أو الموافقات أو الدعم التقني قد ينعكس مباشرة على حجم المحصول وجودته. ومن هنا، فإن تسريع القرار الإداري يعني فعليا تقليص الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، وضمان احترام الرزنامة الزراعية بدقة أكبر.

وفي السياق ذاته، فإن مرونة التسيير تتيح استجابة أسرع للتقلبات المناخية أو الطارئة، سواء تعلق الأمر بإعادة توزيع الموارد أو دعم مناطق معينة. فالإدارة التي تتحرك بسرعة تستطيع تعديل خططها وفق المعطيات الميدانية، ما يحد من الخسائر المحتملة ويعزز استقرار الإنتاج. وهكذا، لا يقتصر أثر التحرير الإداري على الجانب التنظيمي، بل يمتد ليشكل عاملا مباشرا في تحسين النتائج المحققة في نهاية الموسم.

وعلى مستوى أوسع، يرتبط هذا المسار بشكل وثيق بالأمن الغذائي الوطني، الذي أصبح أولوية استراتيجية في ظل التحولات العالمية وتقلبات الأسواق. فكل زيادة في المردودية المحلية تعني تقليصا للاعتماد على الاستيراد، وتعزيزا للسيادة الغذائية. ومن ثم، فإن تحرير القطاع من العراقيل البيروقراطية يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى جعل الإنتاج الوطني أكثر تنافسية واستدامة.

وفي امتداد طبيعي لذلك، فإن انعكاسات هذا المسار لا تتوقف عند حدود الفلاح أو عند أرقام الإنتاج، بل تمتد مباشرة إلى المواطن باعتباره الحلقة الأخيرة في السلسلة. فحين تتحسن مردودية المحاصيل وتنتظم دورة الإنتاج بوتيرة أسرع وأكثر استقرارا، ينعكس ذلك على وفرة المنتجات في الأسواق، وعلى توازن العرض والطلب، وهو ما يسهم في الحد من التقلبات المفاجئة في الأسعار. المواطن الذي يترقب استقرارا في المواد الأساسية يجد في تحسين الأداء الفلاحي عاملا أساسيا يخفف الضغط على قدرته الشرائية. كما أن تعزيز الإنتاج المحلي يرسخ شعورا أكبر بالأمان الغذائي داخل المجتمع، إذ يصبح الاعتماد على القدرات الوطنية أكثر وضوحا، خاصة في ظل الاضطرابات الدولية التي تؤثر على سلاسل الإمداد. ومع كل موسم ناجح، تتعزز ثقة المستهلك في السوق الوطنية، ويتكرس ارتباط مباشر بين فعالية القرار الإداري واستقرار الحياة اليومية. وهكذا، فإن تحرير الفلاحة من البيروقراطية لا يظل مسألة قطاعية، بل يتحول إلى خطوة تمس حياة المواطن بشكل ملموس، عبر استقرار الأسعار وتحسن جودة وتوفر المنتجات. وعليه، فإن الانتقال من القرار إلى الحصاد هو مسار عملي يبدأ بتبسيط الإجراءات وينتهي بتعزيز المخزون الوطني من المنتجات الفلاحية. فإذا نجحت الإدارة في مواكبة هذا التوجه بفعالية، فإن انعكاساته لن تقتصر على الفلاح وحده، بل ستمتد إلى المستهلك والسوق الوطنية ككل، في خطوة قد تشكل لبنة جديدة في مسار تحقيق أمن غذائي أكثر رسوخا.

 

مرونة أكثر.. وواقع دائم

وفي ضوء كل ما سبق، يبدو أن التوجيه الرئاسي الأخير يتجاوز كونه تصحيحا ظرفيا لمسار إداري، ليحمل مؤشرات على توجه يراد له أن يكون مستداما داخل القطاع الفلاحي. فحين يُطرح العمل الميداني كأولوية، وتُوصف البيروقراطية باعتبارها عائقا متجذرا، فإن الرسالة تتجه نحو إعادة ضبط العلاقة بين القرار والنتيجة، بما يضمن انسجام السياسات مع متطلبات الأرض.

غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بمدى قدرته على التحول من تعليمات مركزية إلى ممارسة يومية داخل مختلف المستويات الإدارية. فالتحدي لا يكمن في تشخيص المشكلة فقط، بل في ضمان التزام دائم بروح الإصلاح، بحيث تصبح السرعة والفعالية معيارا ثابتا في تسيير الملفات، لا استثناء مرتبطا بظرف معين.

وفي هذا السياق، يفتح القرار الباب أمام ثقافة إدارية جديدة تقوم على القرب من الفلاح، والمتابعة الميدانية المنتظمة، وتقييم الأداء وفق النتائج المحققة لا وفق المسارات الورقية. فالفلاحة بطبيعتها قطاع حي يتطلب مرونة دائمة، وكل تحديث في أساليب التسيير يعزز فرصه في مواكبة التحولات الاقتصادية والمناخية.

كما أن تعزيز الفعالية داخل القطاع الفلاحي ينعكس تلقائيا على التوازنات الوطنية، سواء من حيث استقرار الأسواق أو دعم الإنتاج المحلي أو تقليص الضغوط الخارجية. فحين تصبح الإدارة جزءا من الحل بدل أن تكون جزءا من التعقيد، فإن ذلك يخلق مناخا أكثر ثقة واستقرارا داخل المنظومة الإنتاجية. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة هذا التوجه على ترسيخ نفسه كمرحلة جديدة عنوانها الفعالية والسرعة والاقتراب من الميدان. لكن المؤكد أن الإشارة السياسية واضحة، وأن الرهان اليوم على تحويل القرار إلى واقع دائم يرافق الفلاح من أول موسم إلى آخر حصاد.

مصطفى. ع