بين استعراض القوة الأمريكية وإصرار السيادة الإيرانية

هل دقت ساعة الحرب في الشرق الأوسط؟

هل دقت ساعة الحرب في الشرق الأوسط؟
  • حشد عسكري غير مسبوق يرفع منسوب التوتر في الخليج

  • طهران تتمسك بالتخصيب وترفض كسر خطوطها الحمراء

  • قنوات التفاوض لم تُغلق.. هل تنجح الدبلوماسية في كبح التصعيد؟

 

هل دقت ساعة الحرب في الشرق الأوسط؟ سؤال يفرض نفسه مع تصاعد التصريحات بين واشنطن وطهران، وتزامن ذلك مع حشد عسكري أمريكي هو الأكبر منذ سنوات في المنطقة. فبين تهديدات بضربة محتملة وتمسك إيراني بما تعتبره حقوقا سيادية، تبدو المنطقة على حافة اختبار جديد، في وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض مفتوحة، ما يجعل المشهد معلقا بين منطق القوة وإمكانات الحل الدبلوماسي.

وفي خضم هذا المناخ المتوتر، تتوالى التصريحات من الجانبين بوتيرة متسارعة تعكس حجم الاحتقان، لكنها في الوقت ذاته لا تقطع خيوط التواصل بالكامل. فبينما يلوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخيارات عسكرية في حال فشل المفاوضات، تؤكد طهران أن الطريق الوحيد المقبول لديها يمر عبر التفاهمات الدبلوماسية المبنية على احترام متبادل، ما يجعل المشهد مزدوج الإيقاع بين التصعيد العلني والحوار غير المباشر.

وشدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على أن المباحثات الجارية تتركز على ضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي، مؤكدا أن مسألة إنهاء التخصيب بالكامل لم تُطرح رسميا على طاولة التفاوض كما يروَّج في بعض التصريحات الأمريكية. هذا الطرح الإيراني يسعى إلى إبراز أن الخلاف لا يتعلق بوجود برنامج نووي في حد ذاته، بل بشروط تنظيمه وضماناته، في محاولة لتفكيك خطاب “التهديد الوجودي” الذي تتبناه بعض الدوائر الغربية. في المقابل، تبدو واشنطن منقسمة في نبرتها؛ فبين دعوات إلى “صفقة مجدية” وتحذيرات من “أمور سيئة” في حال عدم التوصل إلى اتفاق، تتأرجح الرسائل بين الضغط السياسي والتهديد العسكري. هذا التباين في الخطاب يعكس صراعا بين منطق الردع الذي يسعى إلى انتزاع تنازلات، ومنطق إدارة الأزمة الذي يراهن على إبقاء باب التفاوض مفتوحا، ولو تحت سقف عالٍ من الشروط. وبذلك، يتحول التصعيد المتبادل إلى أداة تفاوض بحد ذاته، حيث يستخدم كل طرف لغة القوة لتحسين موقعه على الطاولة. غير أن هذا التلاعب بمستوى التوتر يظل محفوفا بالمخاطر، إذ يكفي خطأ في الحسابات أو سوء تقدير للرسائل كي ينتقل المشهد من حرب تصريحات إلى مواجهة فعلية، وهو ما يجعل التوازن بين التهديد والتفاوض مسألة شديدة الحساسية في هذه المرحلة.

 

حشد عسكري أمريكي غير مسبوق.. رسائل ردع أم تمهيد لضربة؟

وفي موازاة التصعيد السياسي، لفت الانتباه حجم الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي وصفته تقارير غربية بأنه الأكبر منذ سنوات، بل وقارنه بعض المسؤولين السابقين بالتحضيرات التي سبقت غزو العراق عام 2003.

فقد دفعت واشنطن بحاملتي طائرات، وعززت وجودها بمقاتلات شبحية وأنظمة دفاع جوي متطورة، إضافة إلى عشرات المدمرات والسفن الداعمة، في مشهد يعكس مستوى عاليا من الجاهزية العملياتية. هذا الحشد، الذي قد يصل عدد أفراده إلى نحو 40 ألف جندي وفق تقديرات إعلامية أمريكية، يثير تساؤلات حول طبيعته الحقيقية: هل هو مجرد استعراض قوة لرفع سقف التفاوض، أم أنه يشكل تمهيدا فعليا لعملية عسكرية قد تمتد لأسابيع؟ فالتعزيزات المعلنة لا تقتصر على وحدات ردع محدودة، بل تشمل قدرات هجومية قادرة على استهداف منشآت عسكرية ونووية، ما يمنح الإدارة الأمريكية خيارات واسعة إذا قررت الانتقال من التهديد إلى الفعل. غير أن القراءة الأخرى ترى في هذا الانتشار رسالة سياسية قبل أن يكون خطة قتال. فالإدارة الأمريكية قد تسعى من خلال هذا الحشد إلى تعزيز موقفها التفاوضي، وإيصال رسالة بأن الوقت ليس مفتوحا أمام طهران للمماطلة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الحديث عن “ضربة محدودة” باعتباره أداة ضغط تهدف إلى تعديل سلوك إيران على طاولة المفاوضات، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ومع ذلك، يبقى حجم القوات ونوعية العتاد المنتشر مؤشرا على أن واشنطن تحرص على إبقاء كل السيناريوهات مفتوحة. فحتى لو كان الهدف الأساسي هو الردع، فإن تكديس القدرات العسكرية بهذا الشكل يحمل في طياته مخاطرة التصعيد غير المقصود، خاصة في منطقة تعج بالقواعد والقوات المتقابلة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل يكفي الردع وحده لضبط إيقاع الأزمة، أم أن كثافة الحشد قد تدفع بالأحداث إلى مسار يصعب التحكم فيه؟

 

الخطوط الحمراء الإيرانية.. التخصيب والسيادة أولا

وبينما ترفع واشنطن من مستوى الضغط السياسي والعسكري، تتمسك طهران بما تصفه بـ”حقوقها السيادية” غير القابلة للمساومة، وعلى رأسها حق تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.

فالموقف الإيراني ينطلق من اعتبار البرنامج النووي جزءا من السيادة الوطنية، وليس مجرد ملف تقني قابل للتجميد أو الإلغاء تحت وطأة التهديد. ومن هذا المنظور، فإن أي مطلب بوقف التخصيب بالكامل يُنظر إليه داخليا كمساس مباشر بالقرار الوطني المستقل. الخطاب الإيراني الرسمي يركز على أن النقاش يجب أن ينحصر في ضمانات الطابع السلمي للبرنامج، وليس في مبدأ وجوده. فطهران تؤكد استعدادها للشفافية والتعاون ضمن الأطر الدولية، لكنها ترفض ما تعتبره “شروطا سياسية” تهدف إلى تقليص قدراتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تسعى القيادة الإيرانية إلى تقديم نفسها كطرف عقلاني منفتح على الحلول الدبلوماسية، شرط ألا تمس جوهر سيادتها. ولا يقتصر الأمر على الملف النووي فحسب، بل يمتد إلى برنامج الصواريخ بعيدة المدى، الذي تعتبره إيران عنصر ردع أساسي في بيئة إقليمية مضطربة. فمع وجود قواعد عسكرية أجنبية في محيطها، وتحالفات إقليمية معادية، ترى طهران أن التخلي عن أدوات الردع الدفاعي يعني تعريض أمنها القومي لمخاطر جسيمة. لذلك ترفض إدراج هذا الملف ضمن أي تفاوض مرتبط بالبرنامج النووي. في ضوء ذلك، تبدو الخطوط الحمراء الإيرانية واضحة ومعلنة، ما يعقد مهمة أي تسوية شاملة. فبين إصرار واشنطن على فرض قيود أوسع، وتمسك طهران بسقف سيادي مرتفع، تتحدد معالم المفاوضات المقبلة. غير أن هذا التباعد لا يلغي احتمال التفاهم، بل يجعله رهينا بقدرة الطرفين على صياغة صيغة تحفظ ماء الوجه سياسيا، دون أن يُنظر إليها في الداخل الإيراني كتنازل تحت الضغط.

 

البيت الأبيض بين الضغط والتردد.. قرار الحرب ليس محسوما

وفي خضم هذا التصعيد، لا يبدو أن القرار داخل واشنطن يسير في اتجاه واحد واضح، بل يعكس حالة من الموازنة الدقيقة بين منطق القوة وحسابات الكلفة.

فالتصريحات الصادرة عن الرئيس دونالد ترامب بشأن إمكانية توجيه “ضربة محدودة” جاءت بصيغة حذرة، لا تؤكد الخيار العسكري بقدر ما تبقيه مطروحا كورقة ضغط. هذا الأسلوب يعكس رغبة في إبقاء إيران تحت سقف التهديد دون الانزلاق فورا إلى مواجهة شاملة. كما أن تسريبات بعض وسائل الإعلام الأمريكية حول “خيارات عسكرية متقدمة” لا تعني بالضرورة أن التنفيذ بات وشيكا، بل قد تندرج ضمن تكتيك تفاوضي يستهدف تعديل مواقف طهران. فالبيت الأبيض يدرك أن أي قرار بضربة، حتى لو وُصفت بالمحدودة، يحمل مخاطر رد فعل غير متوقع، سواء من إيران مباشرة أو عبر حلفائها في المنطقة، ما قد يوسع دائرة الاشتباك خارج الحسابات الأولية. في المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية معادلة داخلية معقدة، إذ إن أي تحرك عسكري في الشرق الأوسط سيكون محل تدقيق سياسي وانتخابي، خاصة في ظل الإرهاق الأمريكي من حروب طويلة ومكلفة. لذلك، يبدو أن واشنطن تحاول الجمع بين إظهار الحزم أمام إيران، وتفادي التورط في نزاع مفتوح قد يتحول إلى صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه. وبناء على ذلك، فإن قرار الحرب لا يبدو محسوما حتى اللحظة، بل يخضع لحسابات متغيرة تتأثر بتطور المفاوضات وبردود الفعل الدولية والإقليمية. وبين رغبة في فرض شروط صارمة، وخشية من تداعيات غير محسوبة، يتحرك البيت الأبيض في مساحة رمادية، تجعل من التهديد أداة ضغط أساسية، دون أن يتحول بعد إلى إعلان مواجهة فعلية.

 

مضيق هرمز على الطاولة.. كلفة المواجهة تتجاوز إيران

وفي حال تحوّل التصعيد إلى مواجهة فعلية، فإن تداعياتها لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستطال شريانا حيويا للاقتصاد العالمي: مضيق هرمز.

فهذا الممر البحري الذي يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط العالمية، يمثل نقطة ارتكاز استراتيجية، وأي اضطراب فيه قد ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. إيران سبق أن لوّحت بإمكانية إغلاق المضيق في حال تعرضها لهجوم، وهو سيناريو وإن بدا تصعيديا، إلا أنه يظل جزءا من معادلة الردع المتبادل. فمجرد التلويح به يكفي لإثارة قلق الأسواق، ودفع القوى الكبرى إلى حساب كلفة أي خطوة عسكرية بدقة. ومن هنا، فإن أي ضربة محدودة قد تفتح الباب أمام ردود أفعال تتجاوز الحسابات الأولية. كما أن اضطراب الملاحة في هرمز لن يؤثر على إيران وحدها، بل سيصيب دول الخليج المصدرة للنفط، والاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا، ما يحول المواجهة المحتملة إلى أزمة طاقة عالمية. هذا البعد الاقتصادي يمنح طهران ورقة ضغط إضافية، ويجعل من استقرار الممرات البحرية مصلحة دولية لا تخص طرفين فقط. وعليه، فإن كلفة الحرب، إذا اندلعت، لن تُقاس بعدد الأهداف التي تُقصف، بل بحجم الارتدادات الاقتصادية والاستراتيجية التي قد تعيد رسم التوازنات في المنطقة. وبين حسابات الردع والرد، يبقى مضيق هرمز عنوانا لحساسية اللحظة، ودليلا على أن أي قرار عسكري لن يكون قرارا معزولا عن تبعاته العالمية.

 

هل دقت ساعة الحرب أم ساعة الصفقة الكبرى؟

وفي خضم هذا المشهد المعقد، يظل السؤال المركزي معلقا: هل تتجه المنطقة نحو مواجهة عسكرية وشيكة، أم أننا أمام تصعيد محسوب تمهيدا لتسوية كبرى؟.

فالتاريخ القريب للعلاقة بين واشنطن وطهران، يكشف أن لحظات التوتر القصوى غالبا ما كانت تسبق جولات تفاوض غير مباشرة، حيث يُستخدم الضغط العسكري والإعلامي كأداة لإعادة ضبط شروط التفاهم. من جهة أخرى، لا يبدو أن أيًا من الطرفين متحمس فعليًا لتحمل كلفة حرب مفتوحة. فالولايات المتحدة تدرك أن أي صدام مباشر قد يجرّها إلى نزاع طويل متعدد الجبهات، بينما ترى إيران أن الحفاظ على موقعها التفاوضي يتطلب تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستنزف مواردها. هذا الإدراك المتبادل للكلفة يمنح الدبلوماسية فرصة، ولو ضيقة، للبقاء في المشهد. كما أن استمرار المحادثات غير المباشرة في جنيف، والحديث عن “مبادئ توجيهية” يجري الاتفاق عليها، يعكس أن قنوات الاتصال لم تُغلق بالكامل. ففي السياسة الدولية، غالبا ما تُدار الأزمات الكبرى في مساحة رمادية تجمع بين التهديد والمرونة، حيث يُصعّد الخطاب علنا، بينما تُبحث المخارج بهدوء خلف الأبواب المغلقة. وبذلك، قد لا تكون ساعة الحرب قد دقّت بعد، بل ربما تدقّ ساعة إعادة ترتيب الشروط على طاولة التفاوض. فبين استعراض القوة وإصرار السيادة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، في انتظار ما إذا كان التصعيد سيُفضي إلى انفجار عسكري، أم إلى صفقة جديدة تعيد رسم حدود الصراع دون إشعال فتيله.

مصطفى. ع