عِبَادَ اللَّهِ، مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ تَكُونُ حَقًّا وَصِدْقًا حِينَ يُخَصِّصُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ وَقْتًا يَوْمِيًّا يَخْلُو فِيهِ بِرَبِّهِ، يُرَاجِعُ يَوْمَهُ سَاعَةً سَاعَةً، وَأَقْوَالَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً، فَيَسْتَعْرِضُ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ تَقْصِيرٍ، وَيُدَوِّنُ ذُنُوبَهُ وَزَلَّاتِهِ لِيَعْرِفَ مَوَاضِعَ الخَلَلِ فَيَجْبُرَهَا، ثُمَّ لَا يُسَوِّفُ فِي التَّوْبَةِ، بَلْ يُسَارِعُ إِلَيْهَا كُلَّمَا أَذْنَبَ، وَيُجَدِّدُ العَهْدَ مَعَ اللَّهِ، وَيَقِفُ مَعَ نَفْسِهِ عِنْدَ كُلِّ عَمَلٍ وَهَمٍّ، فَيَسْأَلُهَا سُؤَالًا يَزِنُ بِهِ الأُمُورَ: هَلْ يَرْضَى اللَّهُ عَنْ هَذَا؟ أَمْ يُسْخِطُهُ؟ فَبِهَذَا المِيزَانِ تَسْتَقِيمُ النَّفْسُ، وَبِهَذِهِ المُرَاجَعَةِ تَحْيَا القُلُوبُ، وَمَنْ رَاقَبَ نَفْسَهُ اليَوْمَ أَمِنَ غَدًا، وَمَنْ حَاسَبَهَا فِي الدُّنْيَا خَفَّ حِسَابُهُ فِي الآخِرَةِ. وَاعْلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ أَنَّ مُحَاسَبَةَ النَّفْسِ لَيْسَتْ بَابَ يَأْسٍ وَلَا مَدْخَلَ قُنُوطٍ، بَلْ هِيَ بَابُ أَمَلٍ وَبِدَايَةُ حَيَاةٍ، وَلَيْسَتْ طَرِيقَ قَسْوَةٍ وَجَفَاءٍ، بَلْ سَبِيلُ صَلَاحٍ وَإِنَابَةٍ، بِهَا تَزْكُو النُّفُوسُ وَتَسْتَقِيمُ القُلُوبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: “قَدَ اَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” الشمس: 9–10. فَأَفْلَحَ مَنْ فَازَ وَنَجَا، مَنْ طَهَّرَ نَفْسَهُ بِالمُرَاجَعَةِ وَأَصْلَحَهَا بِالمُحَاسَبَةِ وَأَعَادَهَا إِلَى طَرِيقِ اللَّهِ كُلَّمَا زَلَّتْ أَوِ انْحَرَفَتْ. أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، تَذَكَّرُوا أَنَّ أَمَامَنَا سَفَرًا لَا رُجْعَةَ بَعْدَهُ، وَقَبْرًا لَا يُفْرَشُ إِلَّا بِالعَمَلِ، وَمَوْقِفًا عَظِيمًا لَا تَنْفَعُ فِيهِ حِيلَةٌ، وَلَا يُجْدِي فِيهِ اعْتِذَارٌ. فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: “وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” الصافات: 24، وَجَدِّدُوا التَّوْبَةَ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: انْتَهَى الأَجَلُ، وَأُغْلِقَ بَابُ العَمَلِ، وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ المَصِيرُ، وَهَذَا هُوَ المَوْقِفُ، فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى صِدْقِ الإِنَابَةِ، وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى دُعَاءٍ خَاشِعٍ نَسْأَلُ فِيهِ رَبَّنَا القَبُولَ وَالمَغْفِرَةَ وَحُسْنَ الخِتَامِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَزَكِّ نُفُوسَنَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا لَا نَرْجِعُ بَعْدَهَا إِلَى ذَنْبٍ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
الجزء الثالث والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر









