أيها المؤمنون.. إنَّ من أتمِّ الشكرِ على نعمةِ الهداية، أن تَتَّسِعَ قلوبُنا لِخَلْقِ اللهِ رحمةً وعفواً. لا يكتملُ نورُ الصيامِ والقيامِ، مع قلبٍ مُشاحن، أو صدرٍ حاقد، أو قاطعِ رَحِم. كيفَ نرجو من اللهِ العفوَ التامَّ، وكيف نطلبُ منه المغفرةَ، وقلوبُنا تضيقُ بعفوٍ عن أخٍ، أو جارٍ، أو قريب؟ يا مَن تبكي من خشيةِ اللهِ في الليل، كيف يبيتُ في قلبِكَ غِلٌّ لأخيكَ المسلم؟ استمعوا لنداءِ مولانا الكريم وهو يترفقُ بنا: “وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوٓاْۖ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَّغْفِرَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ “. وفي هذا اليوم، يومِ التسامح، يتأكدُ قولُ الحبيبِ ﷺ: “لا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجُرَ أخاهُ فوق ثلاثٍ، يلتقيانِ فيصُدُّ هذا ويصُدُّ هذا وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلامِ”. طَهِّروا سرائرَكم كما طهَّرتُم ظواهرَكم. اجعلوا من مصافحةِ العيدِ غُسلاً لأدرانِ الصدور، وأسقِطوا حظوظَ النفسِ إجلالاً للّهِ العَفُوِّ الغفور. الخصوماتُ الدنيويةُ أحقرُ من أن تَحجُبَ عنَّا نفحاتِ الجنة، والدنيا أقصرُ من أن نملأَها بالقطيعة. ارفعوا أكفَّ الضراعةِ إلى من لا يَرُدُّ سائلاً، ولا يُخيِّبُ آمِلاً، بعد الصلاة على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: “اِنَّ اَ۬للَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَي اَ۬لنَّبِےٓءِۖ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماًۖ “. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. اللهمَّ يا ودودُ يا ودود، يا ذا العرشِ المجيد، يا فعَّالاً لِما يُريد.. نسألُك في هذا اليومِ الأغرّ أن تتقبلَ صيامَنا وقيامَنا وركوعَنا وسجودَنا، وأن تجعلَنا من عُتقائِك من النار. اللهمَّ طهِّر قلوبَنا من النفاق، وأعمالَنا من الرياء، وألسنتَنا من الكذب، واجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك مُخبتين مُنيبين، اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهمَّ ألِّف بين قلوبِ المسلمين، واجمع كلمتَهم على الحقِّ والدين، اللهمَّ اجعل هذا البلدَ آمناً مطمئناً، رَخاءً سَخاءً، وسائرَ بلادِ المسلمين.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر