-
يناير.. من تقليد ثقافي متوارث إلى موعد وطني جامع لكل الجزائريين
-
التنوع الثقافي واللغوي.. رافد لتعزيز الوحدة الوطنية وتلاحم المجتمع
-
الاحتفال بيناير.. رسالة انسجام في زمن التحولات والتحديات
يحتفل الجزائريون هذا الاثنين برأس السنة الأمازيغية في أجواء تحمل أبعادا تتجاوز الطابع الاحتفالي، لتكرّس هذا الموعد كمناسبة وطنية جامعة تعكس روح التلاحم والوحدة بين مختلف مكونات المجتمع. ويأتي إحياء يناير هذا العام في سياق يعزز قيم الانسجام والتعايش الثقافي، باعتباره محطة رمزية تؤكد عمق التاريخ الجزائري وتنوّع روافده الحضارية، ضمن رؤية تجعل من التنوع رافعة لترسيخ الانتماء المشترك والهوية الوطنية الجامعة.
تحوّل يناير تدريجيًا إلى موعد وطني جامع يجد فيه الجزائريون مساحة مشتركة للاحتفاء بتاريخهم المتعدد وروافد هويتهم المتكاملة. هذا التحوّل يعكس مسارا طويلا من الاعتراف الرسمي والشعبي بقيمة هذه المناسبة، التي باتت تحمل رمزية خاصة في الذاكرة الجماعية، باعتبارها لحظة التقاء بين مختلف مكونات المجتمع حول قيم مشتركة أساسها الانتماء للوطن الواحد. وقد ساهم ترسيم يوم 12 جانفي كعطلة رسمية مدفوعة الأجر في ترسيخ هذا البعد الوطني للاحتفال، حيث خرج يناير من الإطار الرمزي إلى فضاء الممارسة المؤسساتية، ما منحه زخما إضافيا وأكسبه طابعا رسميا يعكس إرادة الدولة في تثمين هذا الموعد. هذا القرار حمل دلالات عميقة تتصل بتكريس اللحمة الوطنية وتعزيز الشعور بالمشاركة الجماعية في صناعة الرموز المشتركة. ومع كل سنة، تتسع دائرة الاحتفال لتشمل مختلف ولايات الوطن، في مشهد يعكس كيف تجاوز يناير الحدود الجغرافية والخصوصيات المحلية ليصبح مناسبة يحتفي بها الجزائريون من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. تتنوع طرق الإحياء بين مظاهر تراثية وأنشطة ثقافية وتجمعات عائلية، لكنها تلتقي جميعا عند فكرة واحدة مفادها أن هذا الموعد يشكّل فرصة للتقارب وتعزيز الروابط الاجتماعية. وفي هذا السياق، يبرز يناير كجسر رمزي يربط بين الماضي والحاضر، ويجسد قدرة المجتمع الجزائري على تحويل تنوعه الثقافي إلى عنصر تماسك بدل أن يكون مصدر تباعد. فالمناسبة أصبحت تُقرأ بمنطق التكامل، حيث تتقاطع فيها الذاكرة التاريخية مع الحاضر الوطني، لتؤكد أن الهوية الجزائرية بثرائها وتعدد روافدها قادرة على إنتاج لحظات جامعة تعزز الوحدة وتعمّق الإحساس بالمصير المشترك.
التنوع الثقافي.. رافعة للوحدة الوطنية
ويشكّل التنوع الثقافي واللغوي في الجزائر أحد أبرز ملامح شخصيتها الحضارية، حيث تتعايش روافد متعددة صنعت عبر التاريخ نسيجا اجتماعيا متماسكا رغم اختلاف التعبيرات والخصوصيات. هذا التعدد لم يكن يوما عامل تفرقة، بل ظلّ في جوهره مصدر غنى يعبّر عن عمق التجربة الجزائرية وقدرتها على استيعاب الاختلاف ضمن إطار وطني جامع، يجعل من التنوّع رصيدا مشتركا لا عنصر تنازع. وفي هذا السياق، تبرز الأمازيغية كأحد المكونات الأساسية لهذا النسيج، باعتبارها لغة وثقافة ضاربة في عمق التاريخ الجزائري، وحاضرة في مختلف مناطق البلاد. حضورها لا يُقرأ بمنطق الخصوصية الجهوية، بل بوصفه امتدادا لهوية وطنية واسعة تشمل الجميع، ما يجعلها جزءا طبيعيا من الذاكرة الجماعية التي يشترك فيها الجزائريون على اختلاف مشاربهم. هذا التعايش الثقافي يتجلى في الممارسات اليومية وفي المناسبات الوطنية، حيث تتقاطع التعبيرات الثقافية المختلفة في فضاء واحد، يعكس قدرة المجتمع على تحويل التنوع إلى عامل تقارب. فاللهجات والعادات والطقوس المختلفة لا تُختزل في حدودها المحلية، بل تتحول إلى عناصر تعارف وتبادل ثقافي يثري التجربة الوطنية ويعزز الروابط الاجتماعية بين المواطنين. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم الوحدة الوطنية بوصفه نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفاعل الثقافي، حيث لم تُبنَ هذه الوحدة على الإلغاء أو الذوبان، بل على الاعتراف المتبادل والتكامل بين المكونات. فالتنوع هنا لا يناقض الوحدة، بل يدعمها ويمنحها بعدا إنسانيا أعمق، يجعل من الهوية الجزائرية إطارا مفتوحا قادرا على احتضان الاختلاف وتحويله إلى قوة جامعة.
الدستور والهوية.. تثبيت المرجعيات الوطنية
ولقد أعاد الدستور الجزائري ضبط الإطار المرجعي للهوية الوطنية من خلال تكريس أبعادها الثلاثة المتمثلة في الإسلام والعروبة والأمازيغية، في خطوة حملت دلالات سياسية وثقافية عميقة. هذا التثبيت الدستوري جاء كخيار استراتيجي يرمي إلى تحصين الوحدة الوطنية عبر الاعتراف الرسمي بمختلف مكوناتها، ضمن رؤية تعتبر الهوية عنصر استقرار لا مجال للمساس به. ويبرز دستور 2020 بشكل خاص باعتباره محطة مفصلية في هذا المسار، حيث حسم نهائيا في مكانة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وأدرجها في ديباجته كمكوّن أصيل من مكونات الشخصية الجزائرية. هذا الإقرار الدستوري شكّل رسالة واضحة مفادها أن التنوع اللغوي جزء لا يتجزأ من البناء الوطني، وأن الدولة تراهن على التعدد كعامل توازن وتماسك. هذا الإطار القانوني منح السياسات العمومية مرجعية واضحة في التعامل مع ملف الهوية، وفتح المجال أمام مقاربات مؤسساتية تهدف إلى ترقية الأمازيغية ضمن منطق التكامل مع باقي المكونات. فالدستور هنا لا يكتفي بتثبيت المبادئ، بل يؤسس لمسار عملي يربط بين النص القانوني والتطبيق الميداني، بما يعزز الشعور بالإنصاف والانتماء المشترك لدى المواطنين. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية المرجعية الدستورية في حماية الهوية من أي توظيف ضيق أو قراءات انتقائية، إذ تشكل الإطار الضامن لتوازن المكونات الثقافية واللغوية داخل المجتمع. وبهذا المعنى، يصبح الدستور عقدا وطنيا يعكس الإرادة الجماعية في صون الوحدة وترسيخ قيم العيش المشترك على أسس واضحة ومستقرة.
الأمازيغية.. من تراث لغوي إلى مشروع وطني
الأمازيغية اليوم تحوّلت تدريجيا إلى مشروع وطني يندرج ضمن رؤية شاملة لتعزيز الهوية الجامعة. هذا التحول يعكس وعيا متزايدا بأهمية إدماج هذا المكوّن في المسار الوطني العام، بعيدا عن أي تصنيفات جهوية أو قراءات ضيقة، بما يجعله ملكا جماعيا لكل الجزائريين دون استثناء. وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للمحافظة السامية للأمازيغية، التي تعمل منذ ثلاثة عقود على تجسيد هذا التوجه من خلال نشاطات ميدانية وبرامج تحسيسية تمتد عبر مختلف ولايات الوطن. هذه الجهود تسعى إلى ترقية اللغة الأمازيغية وتعزيز حضورها في الفضاء العام، ضمن مقاربة تقوم على التكامل والتعايش مع المكوّن العربي، بما يخدم فكرة الانصهار الوطني بدل التقابل الهوياتي. ويتجلى هذا المشروع أيضا في الانفتاح على مختلف فئات المجتمع، حيث تشمل المبادرات المرافقة له: الطلبة، والأسرة التربوية، والمجتمع المدني، في مسعى لجعل الأمازيغية جزءا طبيعيا من الحياة اليومية. هذا المسار يهدف إلى ترسيخ قناعة جماعية مفادها أن التعدد اللغوي عنصر إثراء لا تناقض، وأن التواصل بالأمازيغية يظل معطى أنثروبولوجيا أصيلا يشمل كامل التراب الوطني. ومن خلال هذا التوجه، تتكرّس الأمازيغية كرافد من روافد الوحدة الوطنية، يسهم في بناء وعاء جامع يعبّر عن عمق التجربة الجزائرية وتاريخها المشترك. فالمشروع هنا لا يقوم على استعادة الماضي فقط، بل على استثماره في الحاضر لصناعة مستقبل يقوم على التعايش والاعتراف المتبادل، في إطار هوية وطنية متماسكة تستمد قوتها من تنوّعها.
اليقظة الوطنية في مواجهة الخطابات الهدامة
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبرز الوعي الجماعي كخط دفاع أول في حماية التماسك الوطني، خاصة أمام الخطابات الهدامة التي تحاول استغلال التنوع الثقافي لإثارة الانقسام وزرع الشك داخل المجتمع. هذه الخطابات، التي تتسلل أحيانا عبر منصات إعلامية أو فضاءات رقمية، تسعى إلى توظيف الخصوصيات الثقافية واللغوية خارج سياقها الطبيعي، بما يهدد السلم الاجتماعي ويشوّه صورة التعايش التي ميّزت الجزائر عبر تاريخها. وأمام هذا الواقع، تكتسي اليقظة المؤسساتية والمجتمعية أهمية خاصة، حيث يتعزز التنسيق بين مختلف الهيئات الرسمية ووسائل الإعلام من أجل التصدي لأي محاولات توظيف مغرضة لملف الهوية. هذا المسعى لا يقوم على المنع أو الإقصاء، بل على التوعية وبناء خطاب عقلاني يضع التنوع في إطاره الوطني الصحيح، ويحصّنه من القراءات التي تحاول تحويله إلى أداة صراع بدل كونه عنصر إثراء. ويبرز هنا دور النخب الثقافية والأكاديمية في مرافقة هذا الجهد، من خلال إنتاج خطاب متوازن يشرح الخلفيات التاريخية والثقافية للتعدد الجزائري، ويساهم في تفكيك السرديات الوافدة التي لا تنسجم مع الواقع الوطني. فالمعركة في هذا السياق ليست أمنية فقط، بل فكرية وثقافية في المقام الأول، تتطلب بناء وعي جماعي قادر على التمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات الاستغلال. ومن هذا المنطلق، تتكرّس حماية ملف الأمازيغية ضمن رؤية وطنية شاملة تقوم على صون المكاسب الدستورية وعدم السماح بأي تراجع عنها، في إطار احترام الثوابت التي قامت عليها الدولة الجزائرية منذ الاستقلال. فاليقظة هنا تعني المسؤولية الجماعية في الحفاظ على وحدة البلاد، وتحويل التنوع إلى قوة داخلية تعزّز الاستقرار وتدعم مشروع الدولة الوطنية. يأتي الاحتفال بيناير هذا العام ليؤكد مرة أخرى أن المناسبات الرمزية يمكن أن تتحول إلى فضاءات حقيقية لتعزيز التماسك الوطني، حين تُقرأ في سياقها الجامع لا في إطارها الضيق. فبعيدا عن الطقوس والعادات، يرسّخ هذا الموعد فكرة اللقاء حول المشترك الوطني، ويمنح الجزائريين فرصة لتجديد ارتباطهم بتاريخهم المتعدد في إطار وحدة واحدة تتسع للجميع. وفي ظل التحولات التي يشهدها العالم، تبرز التجربة الجزائرية كنموذج في إدارة التعدد الثقافي ضمن مشروع دولة موحدة، حيث لم يكن الاعتراف بالخصوصيات مدخلا للتجزئة، بل رافعة لتعميق الشعور بالانتماء. هذا التوازن بين التنوع والوحدة يعكس مسارا تراكميا من الخيارات السياسية والثقافية التي راهنت على الحوار والتكامل بدل الإقصاء. كما يبرز من خلال هذا المسار أن بناء الهوية الوطنية ليس عملية منتهية، بل دينامية مستمرة تتطلب وعيا جماعيا ومرافقة مؤسساتية تحافظ على المكتسبات وتحصّنها من كل أشكال الاستغلال. فالوحدة تُبنى بالممارسة اليومية لقيم التعايش والاحترام المتبادل داخل المجتمع. وفي هذا السياق، يتحول يناير إلى أكثر من تاريخ في الروزنامة، ليصبح محطة رمزية تعكس قدرة الجزائريين على تحويل تنوعهم إلى مصدر قوة. ومع كل احتفال جديد، تتجدد الرسالة ذاتها: الجزائر وطن جامع، تتعايش فيه الروافد الثقافية المختلفة في إطار هوية واحدة، تستمد تماسكها من تاريخ مشترك ورؤية مستقبلية تقوم على الوحدة والتكامل.






















