في وقت تُسوَّق فيه مؤشرات النمو والاستثمار كدليل على “نجاح النموذج الاقتصادي”، تكشف معطيات حديثة عن صورة مغايرة تمامًا، عنوانها الأبرز هشاشة عميقة تضرب صميم النسيج المقاولاتي بالمغرب، خاصة فئة المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، التي تُفترض نظريًا أن تكون قاطرة التشغيل والتنمية.
تقرير صادر يرسم ملامح أزمة بنيوية لم تعد مرتبطة بضعف إحداث المقاولات، بل بعجزها عن الاستمرار في بيئة اقتصادية توصف بغير الملائمة. الأرقام الواردة صادمة؛ إذ اختفت نحو 150 ألف مقاولة بين 2022 و2025، 99 بالمائة منها من فئة المقاولات الصغيرة جدًا، في مؤشر واضح على تسارع وتيرة الإفلاسات، التي انتقلت من 25 ألف حالة إلى 52 ألفًا خلال ثلاث سنوات فقط، أي بمعدل إفلاس مقاولة كل عشر دقائق تقريبًا. هذا النزيف المتواصل يعكس، وفق مراقبين، خللًا هيكليًا في السياسات العمومية التي لم تنجح في مواكبة طبيعة النسيج الاقتصادي الوطني، حيث تمثل المقاولات الصغيرة جدًا نحو 97 بالمائة من مجموع المقاولات، لكنها تعيش ما وصفه التقرير بـ”الإقصاء البنيوي”. فرغم هذا الوزن العددي، لا تستفيد سوى أقل من 5 بالمائة منها من التمويل البنكي، بينما تظل الغالبية خارج دوائر الدعم الرسمية، في مفارقة تطرح تساؤلات جدية حول عدالة وفعالية منظومة التمويل. ولا تقف الإشكالات عند هذا الحد، إذ يكشف التقرير عن مفارقة رقمية لافتة: فرغم أن 97 بالمائة من هذه المقاولات متصلة بالإنترنت، إلا أن 80 بالمائة منها تفتقر لأي حضور رقمي فعلي، ما يعكس فشلًا في تحويل الرقمنة من مجرد ولوج تقني إلى أداة إنتاجية حقيقية. هذا القصور يعمّق عزلتها عن الأسواق ويحد من قدرتها التنافسية في اقتصاد باتت التكنولوجيا أحد أهم محدداته. أما على مستوى الاندماج الاقتصادي، فتبدو الصورة أكثر قتامة. فقط 15 بالمائة من هذه المقاولات تتعامل مع شركات كبرى، فيما تعاني أكثر من نصفها من تأخيرات في الأداء تتجاوز 90 يومًا، ما يؤدي إلى اختلالات خطيرة في السيولة ويدفع العديد منها إلى حافة الإفلاس، وفي جانب الطلب العمومي، تتسع الفجوة بين النص والتطبيق، حيث لا تتجاوز حصة هذه المقاولات 10 بالمائة من الصفقات، رغم أن النسبة المفترضة تصل إلى 20 بالمائة، ما يعني خسائر سنوية تقارب 30 مليار درهم بسبب شروط إدارية ومالية غير متكيفة. ضمن هذا السياق، يتحدث التقرير عن “حلقة مفرغة للفشل” تغذيها سياسات غير متوازنة؛ إذ يؤدي الإقصاء من التمويل إلى اللجوء للقطاع غير الرسمي، الذي يضم حوالي 41 بالمائة من هذه المقاولات، قبل أن ينعكس ذلك في ضعف رقمي وعزلة اقتصادية، تنتهي غالبًا بالإفلاس، هذه الدينامية لا تبقى محصورة في الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى تداعيات اجتماعية واضحة، حيث يتقاطع ارتفاع الإفلاسات مع توسع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يستوعب أكثر من 77 بالمائة من السكان النشيطين، إلى جانب بطالة تفوق 13 بالمائة، خصوصًا في أوساط الشباب. هذه المؤشرات، مجتمعة، تعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى النموذج الاقتصادي الذي يديره ما يُعرف بـ”نظام المخزن”، والذي يبدو، وفق هذا التشخيص، عاجزًا عن خلق بيئة عادلة ومستدامة للمقاولات الصغرى، رغم الخطابات الرسمية التي تؤكد عكس ذلك، فالفجوة بين السياسات المعلنة والواقع الميداني تتسع بشكل لافت، ما يضع مصداقية الإصلاحات الاقتصادية موضع اختبار حقيقي. في المقابل، يقترح التقرير جملة من التدابير، من بينها إحداث آليات رقمية للمواكبة، وتطوير صيغ تنظيمية جماعية لتسهيل الولوج إلى التمويل والأسواق، إضافة إلى تعزيز تمثيلية هذه المقاولات داخل دوائر القرار الاقتصادي. غير أن السؤال الذي يظل مطروحًا هو مدى استعداد السلطات لاعتماد إصلاحات عميقة تمس جوهر الاختلالات، بدل الاكتفاء بحلول جزئية. في المحصلة، يبدو أن استمرار تهميش هذه الفئة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المغربي، لا يمثل فقط أزمة قطاعية، بل تهديدًا مباشرًا لإمكانية تحقيق نمو شامل ومستدام، وبين الأرقام الصادمة والواقع المأزوم، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية، قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤه.
خديجة. ب