اتساع ملحوظ في مظاهر الهشاشة والتشغيل

المغرب.. أرقام البطالة تخفي واقعاً مخيفا في سوق الشغل

المغرب.. أرقام البطالة تخفي واقعاً مخيفا في سوق الشغل

يعيش المغرب خلال سنة 2026 وضعاً اجتماعياً واقتصادياً معقداً في سوق الشغل، حيث تكشف المعطيات الرسمية عن استقرار نسبي في معدل البطالة، يقابله اتساع ملحوظ في مظاهر الهشاشة والتشغيل الناقص، ما يطرح أسئلة عميقة حول جودة فرص العمل وقدرة الاقتصاد المغربي على استيعاب الطلب المتزايد على الشغل بشكل مستدام وعادل.

كشفت المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب حول وضعية سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2026، عن مفارقة واضحة بين المؤشرات الرسمية للبطالة، كما تُعرض في الخطاب العمومي، وبين واقع اجتماعي أكثر تعقيداً وتداخلاً، يجعل من الأرقام التقليدية مجرد نافذة جزئية لفهم اختلالات عميقة في بنية التشغيل بالمغرب. وبلغ عدد العاطلين حوالي 1.253.000 شخص، وفق تعريف يقتصر على الباحثين النشيطين عن الشغل والمستعدين للالتحاق به، غير أن هذا التعريف، رغم دقته الإحصائية، يظل محدوداً في قدرته على الإحاطة بكامل دينامية سوق العمل، إذ يستثني فئات واسعة تعيش أوضاعاً أقرب إلى الهشاشة المقنعة منها إلى الاستقرار المهني. وتُظهر المعطيات أن 671 ألف شخص يوجدون في وضعية شغل ناقص، أي أنهم يشتغلون ساعات أقل مما يرغبون فيه أو في وظائف لا تلبي حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية، كما يُضاف إلى ذلك نحو 884 ألف شخص مصنفين ضمن “القوة العاملة المحتملة”، وهم أفراد خارج سوق الشغل فعلياً، لكنهم يرغبون في العمل أو مستعدون له دون أن يكونوا في حالة بحث نشط، وهذه الفئة تحديداً تطرح إشكالاً منهجياً حول حدود تعريف “البطالة” في سياق اجتماعي واقتصادي غير مستقر. وباعتماد مقاربة موسعة تأخذ بعين الاعتبار هذه الفئات، يرتفع المعدل المركب الذي يجمع بين البطالة والشغل الناقص إلى 16,6%، بينما يصل إلى 17,1% عند إدماج القوة العاملة المحتملة، في حين يبلغ المؤشر الأشمل للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة 22,5%، أي أن أكثر من خُمس الفئة النشيطة يعيش وضعاً من الهشاشة المهنية أو عدم الاستقرار الاقتصادي. هذه الأرقام تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى كفاية المؤشرات التقليدية في قياس صحة سوق الشغل، خصوصاً حين تتحول البطالة من حالة واضحة إلى طيف واسع من الأوضاع الرمادية التي تتراوح بين التشغيل الهش، والبطالة المقنعة، والخروج الجزئي من سوق العمل. وتُبرز المعطيات، أن فئة الشباب تبقى الأكثر هشاشة داخل هذا النظام إذ يصل معدل البطالة لدى الأشخاص بين 15 و24 سنة إلى 29,2%، بينما يبلغ مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة حوالي 45,3%، وهو ما يعكس فجوة خطيرة بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق الشغل، إضافة إلى محدودية خلق فرص عمل قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى السوق. هذه الأرقام لا تعكس فقط صعوبة الولوج إلى العمل، بل أيضاً ضعف الاستقرار المهني، حيث تتحول فترات البطالة أو التشغيل الجزئي إلى حالة شبه دائمة بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب. تكشف البيانات أيضاً عن اختلال بنيوي في إدماج النساء في سوق الشغل، فمعدل البطالة لدى النساء يصل إلى 16,1% مقابل 9,4% لدى الرجال، في حين لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق العمل 17,5%، مقارنة بـ66,4% لدى الرجال. على المستوى الترابي، تُظهر الأرقام فجوة واضحة بين المدن والقرى، حيث تبلغ البطالة في الوسط الحضري 13,5% مقابل 6,1% في الوسط القروي، وهو ما يخفي واقعاً آخر مرتبطاً بضعف جودة التشغيل في الفلاحة والأنشطة غير المهيكلة.

خديجة. ب