الإسلام منهجُ حياةٍ متكاملٌ لجميعِ شؤونِ الإنسانِ: الاجتماعية والأخلاقية، والاقتصادية والسياسية، والعِلْمية والفِكْرية، وغيرها. وقد تناوَل العلماء في كلامهم ومؤلفاتهم جانبَ العناية بغذاء الجسد، وما يفيد الجسدَ وما يضرُّه من الأغذية والأطعمة، وكيفية الأكل وأوقاته وكميته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير”. فقوة الإيمان في القلب خيرٌ، وخيرٌ منه أن يضاف إليها قوةُ البدن، ومِن أهم عوامل قوة البدن الاهتمامُ بغذاء البدن وتأمينه. والأمن نعمةٌ عظيمة، بها يهنأ الإنسان بعيشه، فيشعر بلذَّة ومتعة العبادة التي هي غذاءُ القلب والروح، ولذَّة ومتعة الطعام الذي هو غذاء الجسد. لذلك فتأمين غذاء الجسد من مجالات الأمنِ التي اهتم بها الإسلام، وهو ما يسمى بالأمن الغذائي، وهو من ركائز الحياة المستقرَّة، وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربَّه فقال ” رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ” البقرة: 126، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه، معافًى في جسده، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها”. وامتنَّ الله عز وجل على قريشٍ بما أنعم عليهم من الأمن عمومًا؛ فلا يخافون، والأمن الغذائي خصوصًا؛ فلا يَجُوعون، فقال تعالى: ” فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ” قريش: 3، 4.
وتعدُّ سورةُ يوسف عليه السلام من أكثر السور وضوحًا ودلالةً في عرض مسألة الأمن الغذائي، وتجلَّى ذلك في تأويل يوسف عليه السلام للرؤيا التي رآها عزيزُ مصرَ، وما في هذا التأويلِ من إشارة إلى أهمية حفظ الغذاء وتخزينه بطرق مناسبة تمنع فسادَه، وكذلك فيه إشارةٌ إلى أهمية الإنتاج الزِّراعي في تحقيق الأمن الغذائي، وإلى ضرورةِ ترشيد الاستهلاك الغذائي، وعدم الإسراف فيه، بما يتلاءَم مع احتياجات السكَّان، ويمنع حدوث المجاعات ونقص الغذاء، وَفْق خطة مدروسة لاستهلاك المخزون الغذائي على مدى سنوات القحط والجفاف. ولكي يتمَّ تحقُّق الأمن الغذائي حرَّم الإسلام كلَّ ما يؤدي إلى التلاعب به؛ كالغشِّ بجميع صوره، وخصوصًا الغش في الطعام، وخَلْط الجيد منه بالرديء، وإظهار الرديء في صورة الجيد وبيعه بقيمته. وكذلك حرَّم الإسلام الاحتكارَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن احتكر فهو خاطئ” أي: آثم مجرِم مستوجِب للعقوبة. ومِن حكمة الشرع الحنيف أنْ حرَّم الربا فيما يُدَّخر ويُقتات من الطعام، خصوصًا الأصناف الأربعة التي نصَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي: البُرُّ – أي: القمح – والشَّعير، والتمر، والمِلح. هذه ضوابط وقواعد وضعها الشرعُ لأجل تحقيق الأمن الغذائي، وغيرها الكثير والكثير في كتب الفقه في أبواب البيوع والأطعمة.






