بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي والتربوي

الجزائر تفقد العلامة المجاهد سي الحاج الطيب

الجزائر تفقد العلامة المجاهد سي الحاج الطيب

توفي، مساء السبت، الفقيه والعالم الديني “الحاج محند الطيب” مترجم القرآن الكريم إلى الأمازيغية عن عمر ناهز 92 عاما تاركا وراءه رصيدا علمياً وتربوياً وثقافياً، وسيرة رجل آمن بأن اللغات جسور للتعارف والوحدة، وأن القرآن الكريم هو الجامع الأكبر لأبناء الأمة.
وُلد الراحل يوم 20 جوان 1934 ببلدية إيفرحونن بولاية تيزي وزو، ونشأ في بيئة علمية ودينية أصيلة، فبدأ مسيرته بحفظ القرآن الكريم في الكُتّاب، ثم واصل تعليمه بزاوية سيدي عمر ولحاج، قبل أن يلتحق بمعهد ابن باديس بقسنطينة حيث تلقى تكويناً علمياً ولغوياً متيناً.
عُرف منذ شبابه بروحه الوطنية والثورية، فشارك في مهام التوعية والتعليم خلال فترة الاستعمار، وتعرض للاعتقال من طرف السلطات الاستعمارية بسبب نشاطه الوطني.
وبعد الاستقلال واصل رسالته التربوية أستاذاً للغة العربية بعين طاية ثم بولاية تيزي وزو، قبل أن يتخرج من مركز تكوين المفتشين بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة، ليشغل منصب مفتش للتعليم الابتدائي والمتوسط في عدة مناطق من ولايتي تيزي وزو والبويرة.
وفي نهاية سنة 1985 انتُدب إلى فرنسا مفتشاً لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية الجزائرية لمدة أربع سنوات، ثم عاد إلى الوطن ليواصل أداء رسالته التربوية بمنطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى غاية إحالته على التقاعد.
وبالتوازي مع عمله التربوي، كان الشيخ إماماً وأستاذاً متعاقداً مع قطاع الشؤون الدينية والأوقاف، ورئيساً لمجلس “اقرأ” بمؤسسة المسجد، وعضواً في لجنة الفتوى والصلح، كما اختير وسيطاً قضائياً لدى مجلس قضاء تيزي وزو، وشارك في العديد من الندوات والملتقيات العلمية والفكرية والإعلامية.
ويُعد أبرز إنجازاته العلمية والثقافية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية وكتابتها بالحرف العربي، في تجربة فريدة جمعت بين الوفاء للمرجعية الإسلامية والانفتاح على الموروث اللغوي الوطني، فاستحق عن جدارة لقب “مُجَسِّر اللسانين” العربية والأمازيغية.
وقد حظي رحمه الله بعدة تكريمات وطنية تقديراً لعطائه العلمي والقرآني والثقافي، وكان من أوائل هذه التكريمات تكريم جريدة “الشروق اليومي” سنة 2009، كما كرّم في مناسبات عديدة ضمن فعاليات منتدى الحوار الثقافي والفكري، إلى جانب تكريمات أكاديمية ومؤسساتية أخرى.
وتبقى قصته مع القرآن الكريم من أكثر جوانب سيرته إلهاماً؛ فقد عاش مع كتاب الله حفظاً وتدبراً وتعليماً وخدمةً لمعانيه، حتى تحول مشروع ترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية إلى رسالة عمر كاملة، جمع فيها بين العلم والهوية والإيمان، وظل وفياً لها حتى آخر أيامه.
ق. ث