من رموز التضحية في سبيل الوطن

الشهيد بوران أمحمد.. الممرض الذي أنقذ الكثير من المجاهدين

الشهيد بوران أمحمد.. الممرض الذي أنقذ الكثير من المجاهدين

يعتبر الشهيد البطل بوران أمحمد شخصية ثورية فذة ورمزا للعطاء نظير ما قدمه من تضحيات جسام خلال الثورة التحريرية المظفرة، حيث كان ممرضا يسهر على علاج المجاهدين المصابين إلى أن سقط في ميدان الشرف.

ولد الشهيد أمحمد بوران سنة 1930 ببلدية الغاسول، في منطقة القصر القديم، وسط عائلة ميسورة الحال، والده بوران أحمد بن بوزيان ووالدته عمارني خرفية بنت الباي. نشأ في بيئة محافظة، فحفظ القرآن الكريم صغيرا على يد الشيخ حسيني الحسين، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية الوحيدة في المنطقة، حيث واصل تعليمه باللغة الفرنسية وتحصل على شهادة CEP، التي فتحت له باب التكوين شبه الطبي بولاية البيض. هناك أنهى دراسته سنة 1946 متحصلا على شهادة ممرض، ليبدأ مساره المهني في مستشفى البيض، قبل أن يترقى إلى رتبة تقني سام في الصحة بفضل اجتهاده واعتماده على نفسه في تطوير معارفه، حيث كان يطالع كتبا طبية كان يوفرها له أحد المعلمين الفرنسيين.

عاد بعدها إلى مسقط رأسه الغاسول ليعمل في وحدة العلاج الطبي، رفقة صديقه محمد يحياوي، إلى غاية سنة 1957. خلال هذه الفترة، لم يكن مجرد ممرض يؤدي عمله، بل كان يحمل وعيا وطنيا مبكرا، حيث انخرط قبل اندلاع الثورة في حزب الشعب الجزائري، متشبعا بأفكار التحرر والاستقلال.

مع اندلاع الثورة التحريرية، لم يتردد في الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني سنة 1957، ضمن الناحية الثالثة، المنطقة الثالثة، من الولاية الخامسة التاريخية، في الكتيبة الثانية، بصفته ممرضا مسلحا. هناك برز دوره الإنساني والوطني، فكان يعالج الجرحى وينقذ الأرواح في ظروف قاسية، متنقلا بين المراكز خاصة في المناطق الصحراوية، حتى أصبح يعرف بين المجاهدين بلقب “طبيب الصحراء”. ومن بين رفاقه الذين عملوا معه نذكر سهيلي محمد وكبار جلول المدعو الألماني، وقد ترك بصمة واضحة في إسعاف عدد كبير من المجاهدين.

على المستوى الشخصي، تزوج الشهيد من السيدة خالف فاطمة يوم 11 جويلية 1950، وأنجب معها ثلاثة أبناء: ولد وبنتين، لكنه اختار أن يجعل من حياته الخاصة جزءا من تضحيته في سبيل الوطن، فغادر أسرته ملبيا نداء الواجب.

في سنة 1959، كان الشهيد متواجدا بغار بريزينة، على بعد 7 كلم شمال البلدة، حيث كان يعالج المرضى والمجاهدين. هناك باغتتهم قوات الاحتلال الفرنسي وحاصرت المكان، فتمكن من كان معه من الخروج، لكنه رفض الانسحاب أو الاستسلام، مفضلا البقاء لأداء واجبه. أمام صموده، لجأ العدو إلى استعمال الغازات السامة داخل الغار، في جريمة بشعة، ليرتقي الشهيد أمحمد بوران شهيدا في مكانه.

بقي جسده داخل الغار لمدة قاربت تسع سنوات، بسبب بقاء آثار الغازات السامة التي منعت الاقتراب من المكان، إلى غاية سنة 1967، حين تشجع بعض المجاهدين، منهم قرميط محمد وكبار جلول، ودخلا الغار وتمكنا من إخراج جثمانه، في مشهد مؤثر زاد من رمزية هذا الشهيد وتضحيته.