-
الفريق أول شنقريحة: الجاهزية التي نهدف إلى تجسيدها تقوم على التكامل بين المكون العملياتي واللوجستي
شهد النادي الوطني للجيش ببني مسوس، الأحد، افتتاح ملتقى وطني متخصص حول سلسلة الإسناد اللوجستي العملياتي، في سياق يعكس الاهتمام المتزايد بتحديث المنظومة اللوجستية للجيش الوطني الشعبي.
ويأتي هذا اللقاء العلمي لتشخيص الواقع الحالي، واستعراض أبرز التحديات والصعوبات، مع فتح نقاش واسع حول سبل تطوير الأداء اللوجستي بما يواكب متطلبات المعارك الحديثة والتحولات التكنولوجية المتسارعة في المجال العسكري.
أشرف الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، أمس الأحد بالنادي الوطني للجيش ببني مسوس، على افتتاح أشغال ملتقى وطني بعنوان “سلسلة الإسناد اللوجستي العملياتي: الحالة الراهنة، صعوبات، تحديات وآفاق”، حسب ما أورده بيان لوزارة الدفاع الوطني.
وقد “حضر الملتقى، إلى جانب وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل والمستشار لدى رئيس الجمهورية، المكلف بالشؤون المتصلة بالأمن والدفاع، السيد الفريق قائد القوات البرية والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني وقادة القوات والحرس الجمهوري، ومدير الديوان لدى وزارة الدفاع الوطني، وقائد الناحية العسكرية الأولى، ورؤساء الدوائر والمراقب العام للجيش ومديرين مركزيين بوزارة الدفاع الوطني وأركان الجيش الوطني الشعبي، وكذا إطارات سامية وأساتذة ومختصين في هذا المجال”, مثلما أوضحه المصدر ذاته. واستهلت أشغال الملتقى بكلمة افتتاحية ألقاها الفريق أول شنقريحة، رحب في مستهلها بالضيوف والمشاركين، مشيرا إلى أن تنظيم هذا الملتقى المتخصص يهدف إلى “تشخيص الواقع الراهن لسلاسل الإسناد اللوجستي العملياتي، والوقوف عند أبرز الصعوبات والتحديات التي تواجهها، ومن ثمة صياغة حلول واقعية لها”. وقال بهذا الخصوص “يهدف تنظيم هذا الملتقى المتخصص لتشخيص الواقع الراهن لسلاسل الإسناد اللوجستي العملياتي، والوقوف عند أبرز الصعوبات والتحديات التي تواجهها، ومن ثمة صياغة حلول واقعية لها، وكذا استشراف الآفاق المستقبلية الكفيلة بتطويرها وتعزيز فعاليتها، بما يتلاءم مع متطلبات البيئات العملياتية وميادين المعارك الحديثة”. وأضاف في نفس الصدد “نحرص في الجيش الوطني الشعبي، تنفيذا لتعليمات السيد رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، على أن تتأسس قواعد الجاهزية التي نهدف إلى تحقيقها وتجسيدها ميدانيا على مستوى قوام المعركة، على مبدأ التكامل المطلق والانسجام التلقائي، بين المكون العملياتي واللوجستي، بشكل يصبح معها هذا القوام بمثابة الجسد الواحد، الذي لا يستقيم حاله إلا إذا استقامت كافة أعضائه دون استثناء”. كما أكد الفريق أول شنقريحة، أن “تحقيق النصر في المعركة الحديثة أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة منظومة سلاسل الإسناد على توفير وضمان تدفق الموارد والإمكانات اللازمة إلى أنساق التنفيذ، في الوقت المناسب وبالكفاءة المطلوبة”. وأوضح يقول بهذا الخصوص “لقد أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية، في ظل عالم يتميز بتزايد التوترات وتراكم الابتكارات التكنولوجية والعسكرية، سياقات عمل معقدة ومتغيرة، تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة في مجال الإسناد اللوجيستي العملياتي، من أجل التكيف مع موجبات المعركة الحديثة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية المرسومة”. وعلى إثر ذلك، أعلن الفريق أول شنقريحة عن الافتتاح الرسمي لفعاليات الملتقى، ليشرع، بعدها، في تقديم المحاضرات المبرمجة، والتي تناول من خلالها الإطارات والأساتذة “مختلف التحديات التي يواجهها الإسناد اللوجستي العملياتي، وآفاق تكييف المنظومة الإسنادية للجيش الوطني الشعبي مع التطور الهائل الذي تعرفه الشؤون العسكرية ومنظومات الأسلحة ذات التكنولوجيات الحديثة”. كما تخللت المداخلات، مناقشات وتدخلات لأخصائيين وإطارات “قدموا تصورات وأفكارا ساهمت في إثراء فعاليات الملتقى وتوصياته”، وفقا لبيان وزارة الدفاع الوطني.
محطة علمية وعملية هامة
ويشكل هذا الملتقى، محطة علمية وعملية هامة تجمع بين الإطارات العسكرية والخبراء والمختصين في مجال اللوجستيك العملياتي، في سياق يعكس تنامي الوعي بأهمية هذا المجال داخل المنظومات الدفاعية الحديثة.
وقد انطلقت أشغاله في أجواء تنظيمية دقيقة ومنضبطة، تعكس الطابع الاستراتيجي للموضوع المطروح، حيث تم التركيز على أهمية هذا المجال في دعم الجاهزية العملياتية ورفع مستوى الفعالية الميدانية. ويأتي هذا اللقاء، في سياق وطني يولي أهمية متزايدة لتطوير منظومة الدعم والإمداد، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية في بناء قوة عسكرية متكاملة قادرة على الاستجابة لمختلف التحولات. كما يعكس حجم المشاركة الواسعة حرص مختلف الفاعلين على الإسهام في صياغة رؤية أكثر تطورا لهذا القطاع، من خلال تبادل الخبرات ومناقشة التجارب وتعميق النقاش حول سبل الارتقاء بالأداء اللوجستي. ويُنتظر أن يخرج الملتقى بتوصيات عملية ودقيقة من شأنها تعزيز التنسيق بين مختلف مكونات المنظومة، بما يسمح برفع فعالية الأداء الميداني وتحسين سرعة الاستجابة في مختلف الظروف العملياتية. كما يُرتقب أن تسهم مخرجاته في بلورة تصورات أكثر تكاملا لتحديث آليات الإسناد، بما يتماشى مع متطلبات البيئات العسكرية الحديثة والتحديات المتسارعة التي تفرضها التحولات الراهنة.
سلاسل الإسناد اللوجستي اليوم.. بين التطور والتحديات
وتُظهر المعطيات الحالية أن منظومة الإسناد اللوجستي في الجيش الوطني الشعبي قطعت مراحل معتبرة من التطوير، سواء من حيث التنظيم أو من حيث قدرات الدعم والإمداد، وهو ما يعكس مسارا متدرجا من التحديث يواكب متطلبات المرحلة.
هذا التطور لا يرتبط فقط بالبنية الهيكلية، بل يمتد إلى تحسين آليات التسيير ورفع مستوى التنسيق بين مختلف حلقات السلسلة اللوجستية، بما يعزز الجاهزية العملياتية بشكل عام. غير أن هذه المنظومة ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بتعقيد البيئة العملياتية وتوسع نطاق المهام الميدانية، ما يفرض إعادة تقييم مستمر لآليات العمل وأساليب التدخل. فالتطور العسكري العالمي يفرض إيقاعا سريعا يتطلب مرونة أكبر في الاستجابة، وقدرة أعلى على التكيف مع التحولات المفاجئة في طبيعة المهام وظروف التنفيذ، وهو ما يجعل مسألة التحديث المستمر ضرورة وليست خيارا. كما أن إدماج التقنيات الحديثة في إدارة الإمداد أصبح عنصرا أساسيا في تحسين الأداء، حيث باتت الرقمنة والتحليل اللوجستي من الأدوات المحورية في رفع كفاءة سلسلة الدعم. هذا التحول التقني يفتح المجال أمام تحسين دقة التوجيه وسرعة اتخاذ القرار، إلى جانب تعزيز القدرة على تتبع الموارد وضمان وصولها في الوقت المناسب، بما ينعكس مباشرة على فعالية المنظومة ككل.
ضغط العمليات وتعقيد الميدان
وتواجه سلسلة الإسناد اللوجستي جملة من الصعوبات المرتبطة بطبيعة العمليات العسكرية الحديثة، خاصة في ما يتعلق بسرعة التدخل وتنوع الاحتياجات الميدانية التي تفرضها طبيعة المهام المتغيرة.
هذه المعطيات تفرض ضغطا متزايدا على منظومة الإمداد، وتجعل من مسألة التكيف السريع مع المستجدات عنصرا حاسما في الحفاظ على فعالية الدعم العملياتي واستمراريته. كما أن تنوع المسارح العملياتية واختلاف الظروف الجغرافية يزيد من تعقيد عمليات النقل والتوزيع، ما يستدعي حلولا أكثر مرونة وفعالية في إدارة الموارد. فالتعامل مع بيئات مختلفة من حيث التضاريس والمناخ والمسافات يفرض تحديات إضافية على سلاسل الإمداد، ويجعل التخطيط المسبق والتنسيق الدقيق بين مختلف المراحل ضرورة أساسية لضمان استمرارية التدفق اللوجستي دون انقطاع. إضافة إلى ذلك، يمثل عنصر التنسيق بين مختلف الهياكل اللوجستية تحديا مستمرا، حيث يتطلب الأمر رفع مستوى التكامل لضمان انسيابية الإمداد في مختلف المستويات العملياتية. كما أن تحسين قنوات الاتصال وتوحيد آليات العمل بين مختلف الوحدات يعد عنصرا محوريا لتقليص الفجوات التنظيمية، وتعزيز سرعة الاستجابة، بما يضمن انسجاما أكبر داخل المنظومة ككل.
تحديات مستقبلية ترسم ملامح اللوجستيك العملياتي
وتتجه التحديات المستقبلية نحو مستوى أعلى من التعقيد، في ظل التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية وتغير طبيعة الحروب الحديثة، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على السرعة والدقة والتكامل بين مختلف الأنظمة.
هذا الواقع يفرض إعادة صياغة المفاهيم التقليدية للإسناد، والانتقال نحو نماذج أكثر مرونة وذكاء قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة العمليات. كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في إدارة اللوجستيك أصبح ضرورة استراتيجية، من أجل تحسين سرعة القرار ورفع دقة التوزيع وتقليل الهدر في الموارد. هذا التحول التقني لا يقتصر على تحسين الأداء فقط، بل يمتد إلى إعادة هندسة طريقة إدارة الإمداد، من خلال الاعتماد على البيانات والتحليل التنبئي، بما يسمح برؤية أكثر وضوحا لمسار العمليات وتوقع الاحتياجات قبل وقوعها. إلى جانب ذلك، يطرح التحدي المرتبط بالأمن اللوجستي نفسه بقوة، خاصة في ظل تنوع التهديدات التي قد تمس سلاسل الإمداد في البيئات العملياتية المعقدة. فحماية هذه السلاسل وضمان استمراريتها أصبحت عنصرا أساسيا في نجاح أي منظومة عسكرية حديثة، ما يستدعي تطوير آليات وقائية متقدمة وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة لأي اختلال قد يؤثر على تدفق الدعم والإمداد.
نحو إعادة هيكلة المنظومة اللوجستية
ويشير المسار العام إلى توجه واضح نحو إعادة هيكلة منظومة الإسناد اللوجستي بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الجديدة والتحولات التي تعرفها بيئة العمل العسكري.
هذه العملية لا تقتصر على الجانب التنظيمي فقط، بل تمتد إلى تحديث الأدوات والوسائل، وإعادة النظر في أساليب العمل بما يضمن رفع مستوى النجاعة وتحسين الأداء العام للمنظومة. كما يتم العمل على تعزيز التكامل بين مختلف الفاعلين داخل المنظومة، بما يسمح بخلق انسجام أكبر بين التخطيط والتنفيذ، وهو ما ينعكس مباشرة على فعالية الأداء الميداني. هذا التوجه يقوم على فكرة ترسيخ التنسيق العملي بين مختلف المستويات، وتقليص الفجوات التي قد تؤثر على سرعة الإنجاز، مع الدفع نحو مقاربة أكثر تماسكا في إدارة سلسلة الإسناد. وتبرز أهمية الاستثمار في التكوين والتخصص في هذا المجال، باعتباره عنصرا أساسيا في بناء كفاءات قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة العمل العسكري. فرفع مستوى التأهيل البشري يشكل أحد الركائز الأساسية في إنجاح أي عملية تطوير، من خلال إعداد موارد بشرية قادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، واستيعاب التعقيدات المتزايدة التي تميز العمل اللوجستي المعاصر.
آفاق جديدة لتطوير الإسناد اللوجستي العسكري
وتفتح الآفاق المستقبلية المجال أمام تحول نوعي في منظومة الإسناد اللوجستي، من خلال اعتماد مقاربات أكثر حداثة ومرونة في التسيير والتخطيط، بما يسمح بمواكبة طبيعة التحديات المتغيرة التي تفرضها بيئة العمليات الحديثة.
هذا التحول يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الجاهزية العملياتية، ورفع مستوى الفعالية في مختلف مراحل الدعم والإسناد. كما يُرتقب أن يشهد هذا القطاع إدماجا أوسع للتقنيات الحديثة، بما في ذلك الرقمنة وأنظمة التتبع الذكي، ما من شأنه رفع مستوى الفعالية وتقليص هامش الخطأ في العمليات. هذا التطور التقني سيساهم أيضا في تحسين سرعة اتخاذ القرار، وتعزيز القدرة على مراقبة تدفق الموارد بشكل دقيق، بما يضمن انسيابية أكبر في سلاسل الإمداد، واستجابة أكثر فعالية في الميدان. وفي هذا السياق، يُنتظر أن تسهم التوصيات العلمية المنبثقة عن هذا الملتقى في رسم ملامح مرحلة جديدة، يكون فيها اللوجستيك العسكري عنصرا حاسما في دعم القدرات العملياتية الشاملة. كما يُتوقع أن تشكل هذه المخرجات قاعدة عمل لتطوير المنظومة بشكل تدريجي ومدروس، بما يعزز تكاملها مع متطلبات التطور العسكري الحديث ويكرس بعدها الاستراتيجي في دعم الجاهزية العامة.
مصطفى. ع