في ظل تصاعد التوتر السياسي بالمغرب، تتكشف فجوة متزايدة بين خطاب حكومة المخزن والواقع الكارثي للمواطنين، حيث تتحول “الإنجازات” المعلنة إلى مادة جدل واسع، يطرح تساؤلات حقيقية حول مصداقية السياسات العمومية وقدرتها على تحقيق أثر ملموس، بدل الاكتفاء بالترويج الرقمي والأرقام التي لا تنعكس بوضوح على الحياة اليومية.
في مشهد سياسي يتسم بتصاعد حدة الخطاب بين الأغلبية والمعارضة، برزت تصريحات عبد الله بووانو، القيادي في حزب حزب العدالة والتنمية، كحلقة جديدة في مسلسل شدّ الحبل السياسي، حيث وجّه انتقادات لاذعة لأداء الحكومة المغربية متهماً إياها بتبني خطاب “الإنجاز” دون سند فعلي على أرض الواقع. بووانو لم يكتفِ بانتقاد السياسات الحالية، بل ذهب أبعد من ذلك حين وصف عنوان المرحلة بـ“الكذب”، في إشارة إلى ما يعتبره تضخيماً للمنجزات ونسبتها إلى الحكومة الحالية، رغم أن بعضها – وفق رأيه – يعود إلى ولايات حكومية سابقة، خاصة خلال فترتي عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني، وهذا الطرح يفتح نقاشاً أعمق حول إشكالية الاستمرارية في السياسات العمومية: هل نحن أمام تراكم طبيعي للإصلاحات، أم إعادة تسويق سياسي لما تحقق سابقاً؟ في ملف الحوار الاجتماعي، يشير بووانو إلى أن الحكومة الحالية تقدمه كإنجاز خاص بها، بينما تعود جذوره بحسبه إلى سنوات سابقة وهذا هذا الجدل يعكس إحدى الإشكالات البنيوية في المشهد السياسي المغربي، حيث يصعب أحياناً الفصل بين ما هو استمرارية مؤسساتية وما هو توظيف سياسي. أما في الجانب الاقتصادي، فتبدو الانتقادات أكثر حدة، خصوصاً فيما يتعلق بالتشغيل والاستثمار، فالفجوة بين الأرقام المعلنة (مليون منصب شغل) والنتائج المحققة (حوالي 94 ألفاً وفق تصريحات بووانو) تطرح تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات الاقتصادية، كما أن الإشارة إلى تقارير البنك الدولي بشأن ضعف العلاقة بين الاستثمار وخلق فرص العمل، تعزز هذا الطرح، خاصة إذا ما اقترنت باتهامات بوجود تضارب مصالح في توزيع الصفقات العمومية.
ولا يقل ملف الحماية الاجتماعية حساسية، إذ يعتبره كثيرون أحد أهم المشاكل غير أن الحديث عن حرمان ملايين المواطنين من التغطية الصحية، إن صحّ، يعكس تحديات حقيقية في التنزيل الفعلي لهذا المشروع الطموح، بين الإكراهات المالية وتعقيدات الحكامة. وفي سياق متصل، يثير بووانو مسألة الفساد، مستنداً إلى معطيات صادرة عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مشيراً إلى خسائر سنوية ضخمة، ورغم أن هذه الأرقام تحتاج دائماً إلى تدقيق وتحليل معمق، فإنها تعكس استمرار هذا الملف كأحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات المتعاقبة. في المحصلة، تكشف هذه المواجهة الخطابية عن أزمة ثقة أعمق بين الفاعل السياسي والمواطن في المغرب، حيث تتصارع الأرقام والروايات، بينما يظل الرهان الحقيقي هو تحسين القدرة الشرائية، خلق فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعيةـ وبين خطاب الإنجاز ولغة الخشب التي تستعملها الحكومة المغربية، يبقى الحكم النهائي بيد الواقع وبيد المواطن المغربي المغلوب على أمره.
خديجة. ب