أنوار من جامع الجزائر

الْإِمَامِ ابن باديس الْمُصْلِحِ …  قُدْوَةً حَيَّةً – الجزء الثاني والأخير-

الْإِمَامِ ابن باديس الْمُصْلِحِ …  قُدْوَةً حَيَّةً – الجزء الثاني والأخير-

إِخْوَةَ الإِيمَانِ، وَنَحْنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ، زَمَانِ الْمُغْرِيَاتِ الشَّدِيدَةِ، وَالِانْفِتَاحِ الَّذِي اخْتَلَطَتْ فِيهِ السُّبُلُ؛ زَمَانٍ تَعَقَّدَتْ فِيهِ التَّرْبِيَةُ وَصَعُبَتْ، وَصَارَتْ أَجْهِزَةُ التَّوَاصُلِ وَالشَّاشَاتُ تُنَازِعُ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ فِي صِيَاغَةِ عُقُولِ الْأَبْنَاءِ، بَاتَ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ سِيرَةِ نَبِيِّنَا، ثُمَّ مِنْ سِيرَةِ هَذَا الْإِمَامِ الْمُصْلِحِ، قُدْوَةً حَيَّةً. لَقَدْ صَارَتْ بَعْضُ بُيُوتِنَا تَشْكُو مِنَ الْغُرْبَةِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، وَصَارَ أَبْنَاؤُنَا يَبْحَثُونَ عَنْ هُوِيَّتِهِمْ وَسَطَ أَمْوَاجٍ مِنْ غَزْوٍ ثَقَافِيٍّ لَا يَرْحَمُ. أَيُّهَا الأَبُ الْمُشْفِقُ، أَيَّتُهَا الْأُمُّ الرَّحِيمَةُ، انْظُرُوا إِلَى جُهْدِ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَيْفَ أَحْيَا أُمَّةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ سَلَّحَهَا بِالْعِلْمِ وَالإِيمَانِ. عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ مَنْ هُمْ، وَمِنْ أَيِّ طِينَةٍ طَاهِرَةٍ خُلِقُوا. ارْبِطُوهُمْ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ، وَبِلُغَتِهِمْ، وَبِتَارِيخِهِمُ الْمَجِيدِ الَّذِي خُطَّ بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ وَمِدَادِ الْعُلَمَاءِ. لَا تَتْرُكُوا عُقُولَهُمْ مَرَاتِعَ لِلْفَرَاغِ أَوِ التَّفَاهَةِ. كُونُوا لَهُمْ مَلَاذًا آمِنًا، وَمُعَلِّمِينَ بِالْقُدْوَةِ وَالْحَالِ قَبْلَ الْمَقَالِ. فَبِنَاءُ الإِنْسَانِ هُوَ الاسْتِثْمَارُ الْبَاقِي، وَهُوَ الْحِصْنُ الْعَصِيُّ عَلَى كُلِّ اخْتِرَاقٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تَعْرِفُ قَدْرَ عُلَمَائِهَا وَتَقْتَفِي آثَارَهُمْ؛ أُمَّةٌ مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللَّهِ. لَقَدْ تَرَكَ لَنَا الْإِمَامُ ابْنُ بَادِيسَ أَمَانَةً غَالِيَةً: دِينَكُمْ، لُغَتَكُمْ، وَوَحْدَةَ وَطَنِكُمْ. وَإِنَّنَا لَوْ أَرْخَيْنَا عَنَانَ الْخَيَالِ، وَتَصَوَّرْنَا طَيْفَ إِمَامِنَا ابْنِ بَادِيسَ رَحِمَهُ اللهُ يَشْخَصُ بِبَصَرِهِ الْيَوْمَ نَحْوَ هَذِهِ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَلَابْتَهَجَتْ رُوحُهُ فِي مَقْعَدِ صِدْقِهَا، وَهُوَ يَرَى “جَامِعَ الْجَزَائِرِ” قَدْ شَمَخَتْ مِئْذَنَتُهُ تُعَانِقُ السَّمَاءَ، لَا لِيَكُونَ مُجَرَّدَ بُنْيَانٍ مِنْ حَجَرٍ، بَلْ لِيَكُونَ الْقَلْبَ النَّابِضَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْحِصْنَ الْحَصِينَ لِمَرْجَعِيَّتِنَا الدِّينِيَّةِ الْأَصِيلَةِ. إِنَّ هَذَا الصَّرْحَ الْمُبَارَكَ هُوَ ثَمَرَةُ تِلْكَ الْبُذُورِ الَّتِي زَرَعَهَا أمْثَالُ ابنِ بادِيسَ ، وَهُوَ الظِّلُّ الْوَارِفُ الَّذِي نَأْوِي إِلَيْهِ لِنَسْتَقِيَ مِنْهُ وَسَطِيَّةَ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتَهُ. فَيَا أَهْلَ الْجَزَائِرِ، يَا أَحْفَادَ الْعُلَمَاءِ وَالشُّهَدَاءِ، الْتَفُّوا حَوْلَ مَرْجَعِيَّتِكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى وَحْدَتِكُمْ بِالنَّوَاجِذِ، وَكُونُوا بُنْيَاناً مَرْصُوصاً فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ بَثَّ الْفُرْقَةِ أَوْ زَرْعَ الْفِتْنَةِ، فَوَطَنُكُمْ مِحْرَابُكُمْ، وَالذَّوْدُ عَنْهُ قُرْبَةٌ تَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى مَوْلَاكُمْ. ثُمَّ صَلُّوا رَحِمَكُمُ ٱللَّهُ وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ٱلَّذِي أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ بِٱلصَّلَاةِ وَٱلسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۖ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًاۖ}. اللَّهُمَّ احْفَظْ الجَزَائِرَ بَلَدَ الشُّهَدَاءِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِناً مُطْمَئِنّاً، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا دِينَنَا وَإِيمَانَنَنَا، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا عُلَمَاءَنَا خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الْأَبْرَارَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَرْضَ الطَّاهِرَةَ بِدِمَائِهِمْ، اللَّهُمَّ أَسْكِنْهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر