سياسة استيطانية مستمرة لطمس الهوية وتغييب حقوق الشعب الصحراوي..

جرائم الاحتلال المغربي تحت مجهر الشرعية

جرائم الاحتلال المغربي تحت مجهر الشرعية
  • مرافعات دبلوماسية متجددة تعرّي جدار الصمت وحصار الهوية الصحراوية

 

  • واقع مرير تحت وطأة الحصار الممنهج والتعتيم الإعلامي الدولي

 

  • انتهاكات يومية عابرة للحقوق تختزل مأساة شعب يبحث عن تقرير المصير

لا تبدو الجرائم والانتهاكات الممنهجة في الأراضي الصحراوية المحتلة مجرد أحداث ظرفية مرتبطة بسياق زمني عابر، بل هي سياسة استيطانية مستمرة تسعى لطمس الهوية وتغييب الحقوق الأساسية للشعب الصحراوي.

وتأتي المداخلة الأخيرة لمنسق اللجنة الصحراوية لحقوق الإنسان بأوروبا، الحسان اميليد، خلال أعمال الدورة الـ87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنعقدة في العاصمة الغامبية بانجول، بمثابة صرخة دبلوماسية متجددة تعيد تسليط الضوء على هذه المعاناة الإنسانية الممتدة. إن هذا الصوت الحقوقي جاء كوثيقة إدانة حية تخترق جدار الصمت الدولي المريب، لتؤكد للعالم أن حرب الإبادة الثقافية والسياسية لن تفلح في طمس حتمية تقرير المصير.

 

وراء جدار التعتيم: واقع الحصار الشامل ومحاولات طمس الهوية

تعيش الأراضي الصحراوية المحتلة تحت وطأة حصار بوليسي وإعلامي مطبق، يهدف بالدرجة الأولى إلى عزل الشعب الصحراوي عن عمقه الدولي ومنع وصول الحقائق إلى الرأي العام العالمي.

هذا الحصار الممنهج ليس وليد اليوم، بل هو عقيدة أمنية ثابتة يفرضها الاحتلال للتغطية على الجرائم اليومية وتكميم أفواه النشطاء الحقوقيين. إن غياب وسائل الإعلام المستقلة والمنظمات الحقوقية الدولية عن المنطقة المحتلة يساهم في خلق منطقة ظل جغرافية وإنسانية، تُرتكب فيها أبشع الانتهاكات بعيداً عن كاميرات العالم ومراقبي الأمم المتحدة. ولم يتوقف الأمر عند حدود العزل المادي والجغرافي، بل يمتد ليشمل حرباً شرسة ضد الهوية الثقافية والسياسية للإنسان الصحراوي، عبر محاولات مستمرة لتغيير التركيبة الديمغرافية للمنطقة. الاحتلال يعتمد على سياسة الاستيطان الممنهج وإغراق المدن الصحراوية بالمستوطنين، في محاولة يائسة لتذويب الخصوصية الوطنية للشعب الصحراوي ودفعه نحو النسيان أو التخلي عن هويته الأصلية. هذه الممارسات تشكل خرقا سافرا لقرارات القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي تحظر على القوة المحتلة إحداث تغييرات جوهرية في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها. وفي ظل هذا التعتيم المطبق، يتحول الفعل الحقوقي والسياسي داخل المدن المحتلة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يواجه كل من يرفع العلم الصحراوي أو يطالب بتقرير المصير خطر الاعتقال أو الملاحقة الأمنية. آلة القمع لا تستثني النساء أو الأطفال أو الشيوخ، مما يبرز زيف الشعارات التي يحاول الاحتلال ترويجها في المحافل الدولية حول احترامه لحقوق الإنسان والتشريعات الدولية. إن الحصار الإعلامي والأمني المفرض على الأراضي المحتلة هو الدليل الأكبر على خوف الاحتلال من قوة الحقيقة وسلطان القانون الدولي الذي ينصف القضية الصحراوية. ومع ذلك، فإن هذا الجدار السميك من الحصار لم يمنع المقاومة السلمية من الاستمرار والتجدد في شتى المدن المحتلة، مستلهمة قوتها من عدالة القضية وإيمان الشعب بحقه. النشطاء الصحراويون يبتكرون يومياً أساليب جديدة لكسر الطوق الأمني وإيصال صوتهم إلى العالم، مستغلين الفضاء الرقمي وشبكات التواصل كبديل عن وسائل الإعلام التقليدية المغيبة. هذا الصمود الأسطوري في وجه الحصار الشامل يثبت أن إرادة الشعوب في التحرر لا يمكن حصرها خلف الجدران الأمنية، وأن الهوية الصحراوية عصية على التدجين أو الطمس مهما بلغت قوة الآلة العسكرية والاستيطانية.

 

سجل الانتهاكات اليومية: قمع ممنهج ومأساة حقوقية مستمرة

يتسم السجل الحقوقي في الجزء المحتل من الصحراء الغربية بانتهاكات جسيمة وخطيرة تطال أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلتها المواثيق والعهود الدولية.

الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الصورية تحولت إلى أداة يومية لتصفية الحسابات السياسية وترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء انتفاضة الاستقلال. السجون تضيق بالمعتقلين السياسيين الصحراويين الذين يتعرضون لشتى أنواع التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية، وسط غياب تام لضمانات المحاكمة العادلة أو الرقابة القضائية المستقلة التي يمكن أن تنصف الضحايا وعائلاتهم. هذه المأساة الحقوقية المستمرة تتجاوز الأفراد لتشكل عقاباً جماعياً يمارس ضد عائلات بأكملها بتهمة الانتماء السياسي أو تبني خيار الاستقلال وتقرير المصير. المداهمات الليلية للمنازل، وتخريب الممتلكات الخاصة، وفرض الإقامة الجبرية على النشطاء، هي مشاهد متكررة تعكس همجية السياسة الأمنية المتبعة في المنطقة. الاحتلال يسعى من خلال هذه الأساليب الترهيبية إلى خلق مناخ من الرعب الدائم، لمنع أي تحرك شعبي سلمي يطالب بالحقوق المشروعة، في محاولة فاشلة لكسر معنويات الشعب الصحراوي وإجباره على القبول بالأمر الواقع المفروض بقوة السلاح. إلى جانب الانتهاكات الجسدية والنفسية، يتعرض الشعب الصحراوي في المدن المحتلة لتهميش اقتصادي واجتماعي ممنهج، يستهدف إفقار المواطنين وحرمانهم من ثروات أرضهم المستنزفة بشكل غير قانوني. الشباب الصحراوي يعاني من نسب بطالة قياسية وإقصاء متعمد من مناصب الشغل في المؤسسات والشركات التي تستغل الفوسفات والثروات السمكية الصحراوية، والتي تذهب عوائدها لتغذية خزينة الاحتلال وتمويل آلته القمعية. هذا الفصل العنصري الاقتصادي يشكل وجها آخر من وجوه الاحتلال الذي يسعى لتجويع الشعب لإخضاعه سياسيا. إن هذه السلسلة المتواصلة من الانتهاكات اليومية تضع الضمير الإنساني العالمي أمام اختبار حقيقي، وتكشف بوضوح عن تقاعس الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان عن القيام بواجبها الأخلاقي والقانوني. الصمت الدولي تجاه هذه التجاوزات الموثقة من قِبل منظمات دولية مستقلة، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار في غيه وتصعيد وتيرة القمع. غير أن دماء المعتقلين وعذابات الضحايا تظل الوقود الروحي الذي يغذي المقاومة السلمية، ويؤكد أن السجل الأسود للاحتلال لن يمحوه الزمن أو التواطؤ السياسي.

 

صوت من قلب المحفل الدبلوماسي: مداخلة بانجول كشاهد إثبات

شكلت المداخلة الأخيرة لمنسق اللجنة الصحراوية لحقوق الإنسان بأوروبا، الحسان اميليد، خلال أعمال الدورة الـ87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب المنعقدة في العاصمة الغامبية بانجول، محطة استراتيجية بالغة الأهمية، حيث تحولت المنصة الدبلوماسية إلى ساحة لمحاكمة سياسات الاحتلال وكشف عورته الحقوقية أمام العالم.

هذا الخطاب لم يكن مجرد عرض للمظلومية التاريخية، بل كان مرافعة قانونية وسياسية صلبة اعتمدت على الأدلة المادية والشهادات الحية لتعرية واقع القمع المستمر. المسؤول الصحراوي نجح في نقل معارك الميدان والمعاناة الصامتة في الزنازين إلى صلب النقاش الدولي، مجبرا الجميع على الاستماع إلى صوت الحق المغيب. وجاء التوقيت السياسي لهذه المداخلة ليعطيها زخماً إضافياً، حيث استخدمها المسؤول الصحراوي كوثيقة إدانة حية ومباشرة تنسف كل الادعاءات والأكاذيب التي يحاول الاحتلال الترويج لها في الأروقة الدولية. الخطاب ركز على أن استمرار الجرائم ضد الإنسانية في الأراضي المحتلة هو التهديد الأكبر للأمن والاستقرار في المنطقة المغاربية برمتها، وأنه لا يمكن بناء سلام حقيقي ودائم على أنقاض حقوق شعب يُباد ويُهجر يوميا. هذه المرافقة القوية نزعت القناع الإنساني المزيف للاحتلال المغربي وأظهرت وجهه القمعي الحقيقي دون رتوش. ولم تكتف المداخلة بالتشخيص ورصد الانتهاكات، بل قدمت استدلالا قانونيا عميقا يربط بين غياب المراقبة الأممية لحقوق الإنسان واستفحال الجرائم في المدن المحتلة. المسؤول الصحراوي طالب بضرورة توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) لتشمل مراقبة والتقرير عن وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وهو المطلب الذي يتهرب منه الاحتلال باستمرار لعلمه بما يقترفه وراء جدار التعتيم. هذا الربط الذكي والبراغماتي وضع مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة أمام مسؤولياتهم القانونية المباشرة في حماية المدنيين العزل. وفي سياق القراءة السياسية، فإن هذا الصوت الصحراوي الحر أثبت أن الدبلوماسية الصحراوية تمتلك الكفاءة والقدرة على مواجهة الدعاية المضادة للاحتلال وإفشال مخططاته الرامية لشرعنة وجوده غير القانوني. المداخلة الأخيرة كانت بمثابة رسالة طمأنة للداخل الصحراوي في الأراضي المحتلة ومخيمات العزة، ورسالة تحذير قوية للخارج بأن الشعب الصحراوي لن يقبل بأي حلول منقوصة تقفز على حقه الثابت في تقرير المصير والاستقلال الوطني، وبأن المعركة القانونية والدبلوماسية ستستمر حتى انتزاع السيادة الكاملة.

 

المقاومة القانونية والسياسية: أدوات فرض الشرعية والندية الدولية

وتخوض جبهة البوليساريو، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، معركة قانونية ودبلوماسية شرسة على الصعيد الدولي لفرض احترام القرارات الأممية وتجسيد عدالة القضية في المحاكم والمنظمات الدولية.

هذه المقاومة القانونية تعتمد على الترسانة الصلبة من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، والعديد من الأحكام القضائية التاريخية مثل أحكام محكمة العدل الأوروبية التي تؤكد بطلان أي اتفاقيات تجارية تشمل الثروات الصحراوية دون موافقة شعبها. هذه المعارك القانونية تمثل سلاح “الندية” الذي تشهره الدبلوماسية الصحراوية في وجه قوى الهيمنة. إن الانتقال بالصراع من الميدان العسكري والسياسي التقليدي إلى أروقة المحاكم الدولية يمثل استراتيجية ذكية تهدف إلى تضييق الخناق الاقتصادي والسياسي على الاحتلال وشركائه الدوليين الذين يحاولون شرعنة نهب الثروات. المقاومة القانونية الصحراوية نجحت في تحويل ملف الثروات الطبيعية إلى قضية رأي عام دولي، مما دفع العديد من الشركات والوقائع الاستثمارية الأجنبية إلى الانسحاب من المشاريع المشبوهة في الأراضي المحتلة خوفاً من الملاحقات القضائية والإساءة لسمعتها التجارية، وهو انتصار استراتيجي لـ”دبلوماسية الحق” الصحراوية. كما أن هذه المقاومة السياسية والقانونية تتكامل بشكل وثيق مع الصمود الميداني والانتفاضة السلمية في المدن المحتلة، لتشكل جبهة موحدة تتصدى لمخططات الاحتلال في كل الفضاءات. الدبلوماسية الصحراوية استطاعت الحفاظ على مكانة القضية كقضية تصفية استعمار مسجلة في أجندة الأمم المتحدة، رغم كل محاولات الالتفاف والقفز فوق الشرعية الدولية من خلال مقترحات وهمية لا تلبي طموحات الشعب الصحراوي. هذا الثبات على المبادئ القانونية يمنح القضية حصانة وموثوقية عالية لدى الشعوب والحكومات الحرة عبر العالم. إن معركة فرض الشرعية الدولية هي معركة نفسية وسياسية طويلة المدى تعتمد على النفس الطويل وحشد الحلفاء الاستراتيجيين في مختلف القارات، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. المقاومة القانونية والسياسية الصحراوية تثبت للعالم أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن منطق القوة العسكرية لا يمكنه إبطال القوة القانونية للاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف في ثرواتها الوطنية بكامل الحرية والسيادة المستقلة.

مصطفى. ع