أنوار من جامع الجزائر

حرمة المسلم عند الله – الجزء الأول –

حرمة المسلم عند الله – الجزء الأول –

إن الحديث عن حرمة المسلم عند الله من أعظم أصول هذا الدين، ومن الركائز التي يقوم عليها صلاح الفرد واستقامة المجتمع. وإن من مظاهر الخلل في واقعنا ضعف استحضار هذه الحرمة في النفوس، حتى تجرأ بعض الناس على الدماء، واعتدي على الأموال، وانتهكت الأعراض، دون وازع أو رادع. وما يزيد هذا المعنى تأكيدًا، ويُضاعف من خطورته، أننا نعيش في زمنٍ عظّمه الله، وهو من الأشهر الحرم، شهر ذي القعدة، الذي جعله الله تعالى من الأزمنة التي تُعظَّم فيها الحُرُمات، ويَعظُم فيها الوزر على من انتهكها.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ… مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. أيها الأحبة: إذا كان الله قد عظّم حرمة الزمان، فإن أعظم ما تُصان حرمته في هذا الزمان وفي سائر الأزمنة: دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بياناً شافياً، فقال: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه» فجمع بهذا الحديث أصول الحرمة، وأقام به ميزان العدل بين المسلمين، ليعيشوا في مجتمعٍ تسوده الطمأنينة، وتُصان فيه الحقوق، وتُحفظ فيه الكرامات. أيها الإخوة الكرام: ومن أعظم ما يُبتلى به الناس في زماننا، وما كثر فيه التهاون والتفريط، انتهاك الأعراض بالكلمة الجارحة، والهمزة واللمزة، والغيبة والنميمة، حتى صار بعض الناس لا يُلقي للكلمة بالاً، وهي عند الله عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه»، فبيّن عليه الصلاة والسلام أن من أشد أنواع الربا وأقبحها أن يُطلق الإنسان لسانه في أعراض الناس بغير حق، فيقع فيهم طعناً وتنقصاً وتشويهاً، بما يزرع الأحقاد، ويفسد القلوب، ويمزق روابط الأخوة بين المسلمين. وكما حرّم الإسلام الاعتداء على الأعراض والدماء، فإنه حرّم كذلك أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فدخل في ذلك كل صور التعدي المالي من سرقةٍ، وغشٍّ، ورشوةٍ، وخيانةٍ، وتلاعبٍ بالحقوق، وهي مظاهر خطيرة تُهدر بها كرامة الإنسان، وتُضيع بها الأمانة، وتختل بها موازين العدل، فيتحول المجتمع من بيئةٍ قائمة على الثقة والتراحم إلى ساحةٍ يسودها الظلم والتنازع. أيها الإخوة الأفاضل : إذا ضُيِّعت حرمة المسلم، ولم تُصن كما أمر الله تعالى، فإن لذلك عواقب وخيمة وآثاراً خطيرة تمتد إلى الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، فينتشر الظلم والعدوان بين الناس انتشار النار في الهشيم، حتى يصبح التعدي أمراً مألوفاً لا يُستنكر، ويؤدي ذلك إلى تفكك المجتمع واضطراب بنيانه، وضياع الثقة بين أفراده، فلا يأمن بعضهم بعضاً، ولا يطمئن جارٌ إلى جاره، ولا شريكٌ إلى شريكه. فاتقوا الله عباد الله في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، واحذروا من الظلم بجميع صوره، واجتهدوا أن تلقوا الله بقلوبٍ سليمة من الأحقاد، وأيدٍ نظيفة من المظالم، وألسنةٍ طاهرة من الغيبة والبهتان، فإن ذلك هو سبيل النجاة يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

 

الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر