إِخْوَةَ الْإيمان: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ في تَقَلُّباتِ الْأَيّام، وَالْمُسْتَبْصِرَ في مَصائِرِ الْأُمَم، يُدْرِكُ يَقِيناً أَنَّ مُذاكَرَةَ أَحْداثِ التّاريخِ لَيْسَتْ حِكاياتٍ تُرْوى لِتَزْجِيَةِ الْوَقْت، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةُ سُنَنِ اللَّهِ في خَلْقِه، الَّتي لا تَتَبَدَّلُ وَلا تَتَغَيَّر. قالَ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]. وَإِنَّ الْغَفْلَةَ عَنِ التّاريخِ لَهِيَ غَفْلَةٌ عَنِ الذّات، وَانْقِطاعٌ عَنِ الْجُذُورِ يُورِثُ التّيهَ وَالضَّياع. وَلَقَدْ كانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُحيلُ قَوْمَهُ عَلى قَصَصِ الْأُمَمِ السّابِقَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِهِم، ثُمَّ لا يَقَعُوا في مَهالِكِهِم، قالَ تَعالى عَلى لِسانِ سَيِّدِنا شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلام: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89]. إِنَّ مُذاكَرَةَ أَحْداثِ التّاريخِ لَهِيَ في حَقيقَتِها تَنْقيبٌ عَنِ الْحِكْمَةِ في رُكامِ الْماضي وَأَحْداثِه؛ بِنَضارَتِهِ وَقُبْحِه، فَما مِنْ أَزْمَةٍ نَعيشُها الْيَوْمَ إِلّا وَلَها شَبيهٌ في ماضي الْأَيّام، وَما مِنْ عِزٍّ نَنْشُدُهُ إِلّا وَلَهُ طَريقٌ سَلَكَهُ الْأَوَّلُونَ فَبَلَغُوا بِهِ الْمُنْتَهى. إِنَّ الِاسْتِبْصارَ بِالْماضي هُوَ قِمَّةُ الْوَعْيِ وَالْعَقْلانِيَّة، قالَ تَعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]. أَيُّها الْإِخْوَةُ الْأَحْباب: نَجْتَمِعُ الْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ “ثُلاثِيَّةٍ إيمانِيَّةٍ” فَريدَة: فَنَحْنُ في ظِلالِ شَهْرِ ذِي الْقِعْدَة، شَهْرٌ حَرام، وَفي بَرَكَةِ يَوْمِ الْجُمُعَة، خَيْرِ يَوْمٍ طَلَعَتْ فيهِ الشَّمْس، وَفي حَضْرَةِ ذِكْرى مَجازِرِ الثّامِنِ مِنْ ماي 1945. إِنَّ هذا الِاجْتِماعَ لَيْسَ مَحْضَ صُدْفَةٍ زَمَنِيَّة، بَلْ هُوَ تَذْكيرٌ بِأَنَّ الْعِزَّةَ ميثاقٌ غَليظٌ يَرْبِطُ بَيْنَ قَداسَةِ السَّماءِ وَطَهارَةِ الْأَرْض؛ فَشَهْرُ ذِي الْقِعْدَةِ الَّذي جَعَلَهُ اللَّهُ أَماناً وَسَلاماً، نَسْتَحْضِرُ فيهِ جُرْحاً غائِراً في وِجْدانِنا الْجَزائِرِي؛ ذِكْرى الثّامِنِ مِنْ ماي 1945. إِذ الْمُفارَقَةَ هُنا بَليغَةٌ وَعَميقَة؛ فَبَيْنَما يُعَلِّمُنا دينُنا في مِثْلِ هذِهِ الْأَيّامِ الْمُبارَكَةِ أَنَّ لِلدِّماءِ حُرْمَةً لا تُنْتَهَك، نَجْدُ في تاريخِنا شاهِداً عَلى غَدْرِ الْمُسْتَعْمِرِ الَّذي لَمْ يَرْقُبْ في جَزائِرِيٍّ إِلًّا وَلا ذِمَّة، لا ديناً وَلا خُلُقاً وَلا شَرائِعَ سَماوِيَّة، فَضْلاً عَنْ شَرائِعِ الْأَرْض، فَاسْتَباحَ الدِّماءَ الطّاهِرَةَ في غَطْرَسَةٍ تَجاوَزَتْ كُلَّ الْحُدُود ،و في سِياقٍ تاريخِيٍّ غادِر، بَيْنَما كانَ الْعالَمُ يَحْتَفِلُ بِنِهايةِ النازِيَّة، كانَتْ قُوى الِاسْتِدْمارِ تُعِدُّ لِأَبْشَعِ جَريمَةٍ ضِدَّ الْإِنْسانِيَّةِ في الْقَرْنِ الْعِشْرين. حَيْثُ خَرَجَ الْجَزائِرِيُّونَ في سَطيف، قالْمَة، وَخَرّاطَة، رافِعينَ شِعاراتِ الْحُرِّيَّةِ الَّتي وَعَدَهُم بِها الْحُلَفاء، لِيُفاجَأوا بِآلَةِ دَمارٍ شامِلٍ لا تُفَرِّقُ بَيْنَ طِفْلٍ وَشَيْخ. ارْتَقى جَرّاءَها خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ شَهيدٍ في أَيّامٍ مَعْدُودات، وَهُوَ رَقْمٌ يَتَجاوَزُ وَصْفَ الْمَجْزَرَةِ إِلى الْإِبادَةِ الْجَماعِيَّةِ الْمُمَنْهَجَة. ولَقَدِ اصْطَفى اللَّهُ مِنْ أَبْناءِ هذِهِ الْأَرْضِ صَفْوَةً لِيَكُونُوا شُهَداء، وَالشَّهيدُ في الْمَفْهُومِ الْقُرْآنِيِّ لَيْسَ قَتيلاً، بَلْ هُوَ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّه، قالَ تَعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].وحيٌّ في وجدان أمته، وَهُوَ التَّجْسيدُ الْحَيُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111].
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر