أنوار من جامع الجزائر

8 ماي 1945 … وحفظ الأمانة – الجزء الثاني والأخير –

8 ماي 1945 … وحفظ الأمانة – الجزء الثاني والأخير –

أَيُّها السّادَةُ الْأَعِزّاء:إِنَّ رِسالَةَ هذا الْيَوْمِ هِيَ: الْوَفاءُ مِنْ خِلالِ الْوَعْي، فَنَحْنُ الْيَوْمَ لا نَسْتَذْكِرُ مُجَرَّدَ تاريخٍ في الرُّزْنامَة، بَلْ نَسْتَحْضِرُ يَوْمَ الْفُرْقانِ الْجَزائِرِي. لِأَنَّ الثّامِنَ مِنْ مايو 1945 لم يَكُنْ يَوْماً لِلْمَوْت، بَلْ كانَ يَوْماً لِانْبِعاثِ الرُّوح. وَمِنْ هُنا فَإِنَّ الذّاكِرَةَ أَمانَةٌ شَرْعِيَّة، وَإِنَّ التَّذْكيرَ بِها واجِبٌ شَرْعِيٌّ أَيْضاً،  قال تعالى مذكّراً نبيّه ﷺ  وأصحابَه بأيّامِ القهْرِ والاسْتضْعافِ: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26]. وَنِسْيانُ هذِهِ الذِّكْرى هُوَ خِيانَةٌ لِلْأَمانَة، وَالتَّوْثيقُ التّاريخِيُّ الْيَوْمَ بِالرَّقْمَنَة، وَالتَّحْليلِ اللِّسانِي، وَالْبَحْثِ الْأَكاديمِي، هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوَفاءِ بِالْعَهْد. وَمِنْ دُرُوسِ هذِهِ الذِّكْرى الْأَليمَة، الْوَحْدَةُ الْوَطَنِيَّة، فَلَقَدْ سالَ دَمُ ابْنِ قالْمَة لِيُعانِقَ دَمَ ابْنِ سَطيف وَخَرّاطَة، دُونَ اعْتِبارٍ لِجِهَةٍ أَوْ عِرْق. وَهذا الدَّرْسُ هُوَ صِمامُ أَمانِنا الْيَوْمَ وَغَداً؛ فَدينُنا وَوَطَنُنا يَجْمَعانِنا، وَعَلَيْهِما سَتَنْكَسِرُ كُلُّ الْمُحاوَلاتِ الْبائِسَةِ لِتَفْريقِنا -لا سمح الله-، قالَ تَعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. وَلا أَجِدُ في هذا الْمَقامِ أَبْلَغَ مِنْ كَلامِ الْعَلّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ الْبَشيرِ الْإِبْراهيمِيّ: “يا يَوْمَ الثّامِنِ مِنْ ماي! لَكَ في نُفُوسِنا السِّمَةُ الَّتي لا تُمْحى، وَالذِّكْرى الَّتي لا تُنْسى، فَكُنْ مِنْ أَيَّةِ سَنَةٍ شِئْت، فَأَنْتَ يَوْمُ الثّامِنِ مايو وَكَفى، وَكُلُّ ما لَكَ عَلَيْنا مِنْ دَيْنٍ أَنْ نُحْيِيَ ذِكْراك، وَكُلُّ ما عَلَيْنا لَكَ مِنْ واجِبٍ أَنْ نُدَوِّنَ تاريخَكَ في الطُّرُوس، لِئَلّا يَمْسَحَهُ النِّسْيانُ مِنَ النُّفُوس”. أَمّا بَعْد؛ إِخْوَةَ الْإيمانِ وَالْإِسْلام: فَلْنَحْفَظْ هذِهِ الدُّرُوسَ الْغالِيَةَ مِنْ هذِهِ الْأَحْداثِ الْأَليمَة:

أَوَّلاً: فَإِنَّ مُذاكَرَةَ أَحْداثِ التّاريخِ لَيْسَتْ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هِيَ فَريضَةٌ تَرْبَوِيَّة؛ لِيَعْرِفَ أَبْناؤُنا أَنَّ هذِهِ الْأَرْضَ لَمْ تَرْتَوِ بِماءِ الْغَمامِ فَحَسْب، بَلِ ارْتَوَتْ بِدِماءِ رِجالٍ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه. فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصار، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأُمَّةَ الَّتي تَحْفَظُ دِماءَ شُهَدائِها هِيَ أُمَّةٌ لا تَمُوت، وَأَنَّ الْوَفاءَ لَهُمْ يَكُونُ بِصيانَةِ الْأَمانَة، وَحِفْظِ الْمَبادِئ، وَالِالْتِفافِ حَوْلَ ثَوابِتِ الدّينِ وَالْوَطَن.

ثانِياً: وَإِنَّ أَثْمَنَ ما نَمْلِكُهُ الْيَوْمَ هُوَ “الذّاكِرَةُ الْجَماعِيَّة”. فَالْأُمَّةُ الَّتي تَنْسى تاريخَها تَتَكَرَّرُ مَآسِيها، وَنَحْنُ أُمَّةٌ نَتَواصى بِصَوْنِ ذاكِرَتِنا وَحِفْظِ أَماناتِنا بِحَمْدِ اللَّه.

ثالِثاً وَأَخيراً: فَالْمُتَأَمِّلُ في جِراحِ الْأُمَّةِ يُدْرِكُ أَنَّ الْخَيْطَ الرّابِطَ بَيْنَ مَجازِرِ الثّامِنِ مِنْ ماي 1945 في الْجَزائِر، وَما يُكابِدُهُ أَهْلُنا الْيَوْمَ في فِلَسْطينَ، هُوَ خَيْطٌ مَمْدُودٌ مِنْ صِراعِ الْحَقِّ ضِدَّ الْبَغْيِ وَالِاسْتِئْصال، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَما يَنْبَغي لِجَلالِ وَجْهِكَ وَعَظيمِ سُلْطانِك، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبارِكْ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرين.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر