أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَحْفَظُ وَدَائِعَ اللَّهِ فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ وَالْعَافِيَةِ، يَحْفَظُهُ اللَّهُ يَوْمَ تَكْلَحُ الْوُجُوهُ، وَتَشْتَدُّ الْأَزَمَاتُ، وَتَعْصِفُ الْخُطُوبُ. تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ. لَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الْغَارِ هَرَباً مِنَ الْمَطَرِ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ جَبَلِيَّةٌ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجَ انْسِدَاداً مُحْكَماً، فَأَظْلَمَ الْمَكَانُ، وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ، وَدَنَا الْمَوْتُ. فَبِمَاذَا تَوَسَّلُوا لِرَبِّهِمْ؟ لقد توسّلوا له بِرَصِيدِ الْمُدَاوَمَةِ، بِالْعَمَلِ الْخَفِيِّ الصَّادِقِ الَّذِي بُنِيَ لَبِنَةً بِلَبِنَةٍ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ. هَذَا بِبِرِّهِ الْعَظِيمِ لِوَالِدَيْهِ حِينَ كَانَا فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، وَذَاكَ بِعِفَّتِهِ عَنِ الْحَرَامِ فِي أَشَدِّ لَحَظَاتِ الشَّهْوَةِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ، وَالْآخَرُ بِأَمَانَتِهِ التَّامَّةِ مَعَ أَجِيرِهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ أَنْ دَعَوْا ربَّهُم مُخْلِصِينَ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ تَحْتَ نُورِ الشَّمْسِ، نَاجِينَ بِثَمَرَةِ الِاسْتِقَامَةِ. أَلَا إِنَّ الثَّبَاتَ مِفْتَاحُ الْمَحَبَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ. يَقُولُ مَوْلَاكُمْ وَخَالِقُكُمْ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْجَلِيلِ: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». فَهَنِيئاً لِمَنْ بَقِيَ عَلَى الْعَهْدِ مُقِيماً رَغْمَ الْمُلْهِيَاتِ، هَنِيئاً لِمَنْ سَمِعَ قَوْلَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. هَنِيئاً لِمَنْ قَالَ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامَ ثَابِتاً. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾. وحَتّى لَا تَكُونَ الْمَوَاسِمُ الْإِيمَانِيَّةُ مُجَرَّدَ ذِكْرَيَاتٍ تَتَلَاشَى، وَعَوَاطِفَ تَبْرُدُ كُلَّمَا طَالَ الْأَمَدُ؛ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ مَعَالِمَ وَاضِحَةٍ وَمُعِينَاتٍ نَسْتَنِدُ إِلَيْهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْفِتَنِ، وَأَوَّلُ هَذِهِ الْمُعِينَاتِ الَّتِي لَا غِنَى لِلْمُؤْمِنِ عَنْهَا هُوَ الدُّعَاءُ بِافْتِقَارٍ وَانْكِسَارٍ. لَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ وَهُوَ الْمُعْصُومُ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ خَوْفَ الْمُعْصُومِ عَلَى قَلْبِهِ، فَكَيْفَ بِقُلُوبِنَا نَحْنُ، وَهِيَ أَضْعَفُ مِنْ رِيشَةٍ تَتَلَاعَبُ بِهَا رِيَاحُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ؟ فَلْنُقبِل على ربِّنا طَلَباً لِلثَّبَاتِ فِي زَمَنِ التَّقَلُّبَاتِ. وَثَانِي تِلْكَ الْمُعِينَاتِ، الصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ الَّتِي تَنْتَشِلُ الْغَرِيقَ، وَتُنِيرُ الطَّرِيقَ. إِنَّ الْعَصَا لَا تَقْوَى إِلَّا بِحُزْمَتِهَا، وَالْمُؤْمِنُ قَوِيٌّ بِإِخْوَانِهِ. ابْحَثُوا عَنْ رِفْقَةٍ تَقُودُكُمْ نَحْوَ الصَّلَاحِ، إِذَا غَفَلْتُمْ ذَكَّرُوكُمْ، وَإِذَا ضَعُفْتُمْ شَدُّوا مِنْ عَزَائِمِكُمْ. وَثَالِثُ الْمُعِينَاتِ، قِصَرُ الْأَمَلِ، وَتَذَكُّرُ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؛ فَمَنْ عَرَفَ أَنَّ أَنْفَاسَهُ مَعْدُودَةٌ، وَأَنَّ رِحْلَتَهُ مَحْدُودَةٌ، اسْتَحْيَا أَنْ يَلْقَى رَبَّهُ عَلَى فُتُورٍ أَوْ تَقْصِيرٍ. يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: لَا تَحْصُرُوا الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي الْمِحْرَابِ، بَلْ أَوْسِعُوا مَفْهُومَهُ لِيَشْمَلَ عِمَارَةَ الْأَرْضِ بِالْخَيْرِ؛ فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ يَنْقُلُ سَكِينَةَ الْعِبَادَةِ لِتُصْبِحَ رَحْمَةً يَبُثُّهَا فِي مُجْتَمَعِهِ. كُونُوا فِي بِلَادِكُمْ جُبَرَاءَ لِلْخَوَاطِرِ، صُنَّاعاً لِلْأَمَلِ؛ إِنَّ إِتْقَانَكُمُ الْعَمَلَ، وَحِفْظَكُمْ لِمُقَدَّرَاتِ بَلَدِكُمْ، وَرِعَايَتَكُمْ لِلْأَيْتَامِ وَضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هُوَ التَّرْجَمَةُ الْفِعْلِيَّةُ لِثَبَاتِكُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَإِحْسَانِكُمُ الصَّادِقِ.
الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر