• هيمنة “كارتلات” النفوذ والمال يفرغ القوانين من مضمونها الرقابي ويعمق مأساة المغرب العميق
• مملكة الاحتكار تستفرد بالخيرات.. قوانين على مقاس المفسدين وعزلة خانقة تطوق جغرافيا الهامش
تواجه المملكة المغربية اليوم موجة انتقادات حادة وغير مسبوقة يقودها مثقفون وكتاب وهيئات حقوقية ضد نظام “المخزن”، تنديداً بالاستشراء الهيكلي للفساد والريع وتغول نخبة سياسية واقتصادية تستفرد بخيرات البلاد مستظلة بحماية سياسية وتشريعية مطلقة.
وتحولت مؤسسات الدولة، في ظل هذا التداخل الجائر بين السلطة والمال، إلى دروع لحماية المفسدين وتكريس الإثراء غير المشروع، مما أفرز تفاوتات مجالية واجتماعية صارخة وعمق فجوة الثقة بين الشعب والمؤسسات الرسمية، منذرًا بانسداد تالٍ للأفق وانفجار وشيك للاحتقان الشعبي المتزايد.
زواج السلطة بالمال: كيف تستفرد الأقلية النافذة بخيرات الشعب المغربي؟
لم يعد الحديث عن تغول النخبة السياسية والاقتصادية في المغرب مجرد موقف معارض أو رأي سياسي قابل للنقاش في الصالونات المغلقة، بل استحال حقيقة مريرة تتردد بشكل يومي على ألسنة المغاربة داخل الوطن وخارجه، وتؤكدها التقارير السنوية الصادرة عن الهيئات الدولية المستقلة.
إن التمركز غير المسبوق لخطوط الثروة والنفوذ في يد زمرة محدودة من رجالات “المخزن” يعكس هندسة إقطاعية عصرية، تهدف إلى تركيز القرار المالي والسياسي في مربع ضيق يلغي مفهوم التنافسية الشريفة وتكافؤ الفرص. هذا الاحتكار الممنهج لقطاعات حيوية كالدعم، الطاقة، العقار، والصفقات العمومية الكبرى جعل من مقدرات الشعب رهينة في يد أقلية راكمت الحصانة المزدوجة لتدبير مصالحها الذاتية. وتتحرك هذه النخبة المتنفذة بعقلية الاستحواذ والسيطرة، مستغلة غياب آليات الفصل الحقيقي بين استراتيجيات الاستثمار الخاص ومواقع المسؤولية العمومية، مما أنتج تشوهات عميقة في بنية الاقتصاد الوطني المغربي. وبدل أن تكون الوزارات والمؤسسات الدستورية فضاءات لخدمة الصالح العام وبلورة خطط التنمية الشاملة، تحولت في واقع الأمر إلى أدوات ومظلات لحماية الكارتلات الاحتكارية وتأمين هوامش ربح خيالية على حساب جيب المواطن البسيط. وتتوالى المؤشرات التي تؤكد أن العوائد المالية للمشاريع الكبرى والاتفاقيات الدولية تذهب مباشرة لجيوب هذه الأقلية، في وقت يُطلب فيه من الفئات الهشة تحمل خطط التقشف ومرارة الاستدانة الخارجية المفرطة. إن هذا الاستفراد السافر بالثروة الوطنية ولد شعوراً جماعياً عارماً بالدونية والظلم الاجتماعي لدى فئات واسعة من الشباب المغربي الذي يجد نفسه خارج حسابات التنمية والدورة الاقتصادية. ولم تعد الأوراق الرسمية قادرة على إخفاء حقيقة أن ريع “المخزن” يلتهم فرص الشغل الحقيقية ويدفع بالشركات الصغرى والمتوسطة نحو الإفلاس القسري لعدم قدرتها على مجاراة نفوذ حيتان المال المدعومة من مراكز القرار السياسي. ويشكل هذا التزاوج خطراً داهماً على النسيج المجتمعي، إذ يرسخ لطبقية مقيتة تنعدم فيها سبل الارتقاء الاجتماعي وتصبح فيها الثروة حكراً بالوراثة والموالاة الحزبية الضيقة. إن استفراد الأقلية المخزنية بالخيرات يمثل الوجه الأبرز لأزمة الحكم في المغرب، حيث تعلو المصالح العائلية والفئوية الضيقة على مصالح الوطن الاستراتيجية. وتُجمع القراءات النقدية للمثقفين المغاربة على أن هذا المسار لا يمكن أن يستمر دون السير بالبلاد نحو حافة الهاوية، لأن استنزاف مقدرات الأمة وتجفيف منابع عيشها يحرم الأجيال القادمة من حقها في التنمية والكرامة. إنها بنية ريعية متكاملة الأركان، يتغذى فيها المال من السلطة وتوفر فيها السلطة الحماية للمال، في حلقة مفرغة يدفع ثمنها المواطن المغربي المقهور من قوته اليومي ومستقبل أبنائه.
الدروع التشريعية للفساد: قراءة في آليات إفراغ القوانين والمنظومة الرقابية من مضمونها
تتجلى خطورة الفساد في المغرب، تحت مظلة نظام المخزن، في كونه لم يعد مجرد انحرافات سلوكية فردية يمكن علاجها عبر المساطر القضائية العادية، بل تحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها تمتلك أذرعاً تشريعية قوية تصيغ القوانين على مقاس مصالحها.
وبدل أن تتوجه الترسانة القانونية والبرلمانية نحو محاصرة تضارب المصالح، وتجريم الإثراء غير المشروع، وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا”، يلاحظ المتتبعون صياغة نصوص قانونية هجينة تهدف بالأساس لشرعنة التجاوزات وتوفير المخارج الآمنة للفاسدين. هذه الدروع القانونية تعطل بشكل متعمد المبادرات الدستورية الرامية لربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحول الهيئات الرقابية إلى مجرد لجان صورية لإصدار تقارير لا تجد طريقاً للتنفيذ. وتشهد الساحة السياسية المغربية محاولات متكررة ومنظمة لإفراغ نصوص مجموعات القانون الجنائي وقوانين الصفقات العمومية من مضمونها الرقابي والزجري، من خلال إدراج تعديلات وثغرات تسمح بالتهرب من المساءلة والمحاسبة القضائية. وتكشف هذه التلاعبات التشريعية، التي تتم تحت قبة البرلمان وبإيعاز مباشر من النخب النافذة، كيف يتم توظيف سلطة صياغة القوانين لحماية لصوص المال العام وتحصين الصفقات المشبوهة من الملاحقة. وبذلك، يسقط شعار “دولة الحق والمؤسسات” الذي تروج له الماكينة الإعلامية للمخزن، ليتضح أن القوانين تطبق بصرامة فقط على الضعفاء، بينما تمنح صكوك الغفران للمقربين من الدوائر التقريرية. كما يمتد هذا التعطيل الممنهج ليشمل مؤسسات الرقابة المالية والحكامة، التي يتم تقزيم أدوارها وتهميش تقاريرها السوداء التي ترصد اختلاس وتبذير الملايير من السنتيمات في مشاريع وهمية أو فاشلة. ويجد القضاء المغربي نفسه مكبلاً بتدخلات سافرة وضغوطات سياسية تمنعه من فتح التحقيقات في ملفات الفساد الكبرى التي تورطت فيها شخصيات وازنة في هرم السلطة. هذا الشلل المصطنع في المنظومة الرقابية يعكس رغبة المخزن في الحفاظ على توازناته القائمة على الولاء مقابل غض الطرف عن نهب المال العام، مما يجعل من الفساد أداة سياسية للضبط والتحكم وتدجين النخب. وفي نهاية المطاف، فإن تحويل القوانين إلى دروع لحماية المفسدين يمثل طعنة في خاصرة العدالة والقيم الأخلاقية المفترضة في تدبير الشأن العام بالمملكة. إن هذه الحصانة التشريعية والقضائية التي تتمتع بها مافيا الريع تكرس لواقع الإفلات من العقاب، وتلغي أي مبرر لوجود مؤسسات الحكامة والشفافية التي أصبحت عبئاً مالياً على ميزانية الدولة دون أثر ملموس. وحينما تصبح القوانين أداة لحماية الجاني بدل إنصاف الضحية، فإن مفهوم الدولة نفسه يتعرض للاهتزاز، وتتحول المؤسسات إلى مجرد واجهات لتأثيث المشهد وإخفاء حقيقة الاستبداد المالي والسياسي.
التطبيع مع الريع: السقوط الأخلاقي في شرعنة الفساد وتحويله إلى سلوك يومي عادي
إن أخطر ما يواجه المجتمع المغربي اليوم في ظل السياسات المخزنية الحالية، ليس هو استمرار الفساد كظاهرة معزولة، بل السعي الحثيث نحو “التطبيع معه” وتحويله إلى أمر عادي ومقبول في الحياة العامة.
وتعمل الآلة البروباغاندية والنظام التربوي والإعلامي الموجه على ترسيخ فكرة أن الريع والوساطة والمحسوبية هي السبل الوحيدة لقضاء الحوائج والترقي الاجتماعي، مما يؤدي إلى تدمير تدريجي للمنظومة الأخلاقية والقيمية للمواطنين. هذا الانتقال الخطير من مرحلة تجريم الفساد ورفضه مجتمعياً إلى مرحلة التعايش معه واعتباره “ذكاءً شطارة” يعكس عمق الهزيمة النفسية والثقافية التي يرغب المخزن في فرضها على الشعب. وقد نجحت هذه الاستراتيجية المخزنية في خلق مناخ عام يسوده الإحباط والقبول بالأمر الواقع، حيث يتراجع منسوب المبادرة والمطالبة بالحقوق المشروعة لصالح الانخراط التنافسي في قنوات الفساد الصغرى لضمان العيش اليومي. وبات المواطن المغربي مجبراً على دفع الرشوة في المستشفى، والمدرسة، والمحكمة، والإدارات المحلية، كطقس يومي لا يمكن تجاوزه، مما يربط مصالح الشعب بوجود هذه المنظومة الفاسدة ويمنع تشكل جبهة موحدة لرفضها. إن التطبيع مع الريع ينقل الفساد من كونه جريمة يعاقب عليها القانون إلى نمط عيش وثقافة مجتمعية متجذرة يصعب استئصالها دون هزات اجتماعية عنيفة. وتتحمل النخبة السياسية والثقافية الموالية للسلطة مسؤولية جسيمة في هذا السقوط الأخلاقي، من خلال تسويقها للأزمات البنيوية كأعراض طبيعية للتحول الاقتصادي، ومحاولتها المستمرة لتمييع الخطاب النقدي الموجه لرموز الفساد. ويسهم هذا الصمت الممنهج والتواطؤ الإعلامي في عزل الأصوات الحرة والمثقفين النزهاء الذين يرفضون الانخراط في جوقة التطبيل والمداهنة، ويصرون على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. ويؤدي غياب القدوة السياسية النظيفة في هرم السلطة إلى تعميق هذه الأزمة الأخلاقية، حيث يرى المواطن البسيط كيف يكافأ المفسدون بالترقيات والمناصب السامية، بينما يساق المصلحون إلى ردهات السجون والمعتقلات. وتأسيساً على ما سبق، فإن التطبيع مع الفساد يمثل التهديد الحقيقي للسلم الاجتماعي والأمن القومي للمغرب، لأنه يضرب في الصميم قيم التضامن والمواطنة الحقة. وحينما يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية ويصبح الريع هو المعيار الأسمى للنجاح، تتراجع قيمة العلم، والعمل الجاد، والنزاهة، لتخلو الساحة لانتهازيي الفرص وسماسرة الأزمات. إن هذا التجريف القيمي الممنهج هو النتيجة الحتمية لعقود من الاستبداد المالي والسياسي، الذي رأى في وعي الشعب ونزاهته خطراً يهدد عروش الاحتكار والامتيازات الطبقية غير المشروعة لنخبة المخزن المترفة.
جغرافيا العزلة والإقصاء: مغرب “أعالي الجبال” المنسي يدفع فاتورة تمركز التنمية والاستبداد
بينما يتبجح خطاب المخزن الرسمي بإنجازات القطارات الفائقة السرعة والموانئ الضخمة والمهرجانات الصاخبة لعواصم الواجهة، يعيش “المغرب العميق” في مداشر وبلدات أعالي الجبال تهميشاً وإقصاءً ممنهجاً يمتد لعقود طويلة من الزمن.
ويكشف هذا التفاوت المجالي الصارخ أن العدالة التوزيعية للثروة غائبة تماماً عن الأجندة السياسية للنظام، الذي يركز الاستثمارات والبنيات التحتية في شريط ساحلي محدد يخدم مصالح النخبة النافذة والشركات الأجنبية. وفي المقابل، تترك ملايين الأرواح في جبال الأطلس والريف لمواجهة مصيرها المحتوم مع قسوة الطبيعة، وانعدام أبسط مقومات الحياة الآدمية والكرامة الإنسانية. إن سكان هذه المناطق الجغرافية المنسية يعيشون خارج مفردات العصر، ويحتاجون إلى “سنوات ضوئية” من العمل الجاد والاجتهاد الميداني الصادق لمجرد الاقتراب من البنيات التحتية المتوفرة في المدن الصغرى. ففي فصل الصيف، تتفجر أزمات العطش الخانقة وندرة المياه الصالحة للشرب وجفاف الآبار، مع غياب شبه تام لوسائل النقل والمسالك المعبدة التي تفك عنهم العزلة والارتهان للاحتكار والسمسرة المحلية. أما في فصل الشتاء، فتتحول تلك المداشر إلى سجون مفتوحة تحت حصار الثلوج والبرد القارس والممرات المغلقة، حيث يغيب التطبيب وتنعدم وسائل التدفئة، ويموت الأطفال والنساء الحوامل في صمت مأساوي يفضح زيف شعارات الدولة الاجتماعية. وقد دفعت هذه المرارة المعيشية المتراكمة بسكان مغرب الهامش إلى الخروج في مسيرات احتجاجية عفوية ووقفات إنذارية، للمطالبة بـ “مدرسة أفضل، مستشفى أفضل، وفرص شغل كافية” تحفظ ماء وجه كرامتهم. وتواجه هذه الحركات الاجتماعية السلمية غالباً بالمقاربة الأمنية الصارمة ولغة الوعود التسويفية التي تتبخر بمجرد عودة الهدوء للمنطقة، مما يعمق من الفوارق المجالية ويجعلها ظاهرة بنيوية متجذرة. إن هذا الإهمال ليس مجرد عجز مالي، بل هو خيار سياسي واعٍ يمارسه مركز القرار لتبقيع الهامش وإبقائه في حالة ضعف مستمر ومستدام يمنعه من امتلاك شروط الوعي والمطالبة السياسية الحقيقية. وفي محصلة القول، فإن مأساة أعالي الجبال والمغرب العميق تختزل بشكل بليغ النتائج الكارثية لمنظومة الفساد والريع التي يقودها المخزن على المستوى الترابي والمجالي. إن تمركز الثروة في المركز وإغراق الهامش في الجهل والفقر والعزلة هو الوصفة النموذجية لتفكيك التماسك الوطني وزرع بذور الأحقاد الطبقية والمجالية بين أبناء الوطن الواحد. ولا يمكن لسياسة “المساحيق والتجميل” التي تتبعها السلطة في الحواضر الكبرى أن تخفي عورة الفقر المدقع والظلام التنموي الذي يلف قمم الجبال وقاع المداشر المنسية التي تدفع الفاتورة الأثقل لفساد النخبة الحاكمة. تؤكد صرخات المثقفين والكتاب المغاربة وتشخيصهم الدقيق لواقع البلاد أن الثقة في المؤسسات الرسمية لنظام المخزن قد تعرضت لضربات متتالية وقاسمة، تفوق في خطورتها آثار أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية عابرة قد تشهدها المملكة. إن اتساع الفجوة السحيقة بين لغة التقارير الرسمية والمؤشرات الوردية التي تسوقها الحكومة، وبين لغة الواقع المعيشي المرير للمواطنين، يكرس لانسداد شامل في الأفق السياسي والتنموي. وحينما تفقد الشعوب أملها في إمكانية الإصلاح السلمي والمحاسبة القانونية للمفسدين، فإن البديل الحتمي يكون هو الدخول في دوامة من الاضطرابات والتفكك المجتمعي الذي يهدد أركان الدولة والاستقرار الداخلي بشكل مباشر. ولم يعد بإمكان المقاربات الأمنية الترهيبية أو سياسات الهروب إلى الأمام وصناعة الأعداء الوهميين أن تحجب حقيقة الانهيار الأخلاقي والبنيوي للمنظومة المخزنية التي جعلت من الفساد ركيزة أساسية لاستمرارها في الحكم. إن مطالب الشعب المغربي واضحة ولا تحتاج للمزيد من اللجان الاستشارية أو المخططات التنموية الورقية؛ فالناس ينتظرون خطوات ملموسة تعيد توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل، وتنهي سياسة الامتيازات والريع، وتفتح قاعات المحاكم لمحاكمة لصوص المال العام دون انتقائية أو حصانة سياسية. إن الاستمرار في حماية الأقلية المستفردة بالخيرات وتشديد الخناق على الأغلبية المسحوقة هو مجرد شراء للوقت على حساب سلامة ومستقبل الوطن بأكمله. وفي نهاية المطاف، فإن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وحاسم، يتطلب قطيعة جذرية وشاملة مع أساليب التدبير البائدة التي كرسها نظام المخزن لقرون طويلة من الزمن. إن بناء دولة المؤسسات الحقيقية يمر إلزاماً عبر تفكيك الدروع التشريعية للفساد، ورفع اليد عن ثروات الشعب، والإنصات الواعي لآلام وآمال سكان أعالي الجبال والمغارب العميقة المنسية. وستبقى كتابات ونضالات الشرفاء من أبناء هذا الوطن، البوصلة الهادية نحو التغيير المنشود، مؤكدة أن إرادة الشعوب في الانعتاق من ربقة الاستبداد المالي والسياسي هي حتمية تاريخية لا يمكن للفساد، مهما تعاظم نفوذه وتحصنت قلاعه، أن يوقف زحفها المقدس نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
مصطفى. ع