أنوار من جامع الجزائر

أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ – الجزء الثاني والأخير –

أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ – الجزء الثاني والأخير –

وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (رواه أحمد). وَيَوْمُ الْقَرِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ مُعْظَمِ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَلِعِظَمِ مَكَانَةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُظْهِرُونَ فِيهَا شَعِيرَةَ التَّكْبِيرِ إِظْهَارًا بَيِّنًا.

فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُكَبِّرُ فِي مِنًى فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ، وَفِي مَجْلِسِهِ، وَفِي مَمْشَاهُ، وَكَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي لَيَالِي التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمُرُونَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ يَجْتَمِعُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِ نَعِيمَانِ عَظِيمَانِ: نَعِيمُ الْبَدَنِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقَ اللَّهُ، وَنَعِيمُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَبِذَلِكَ تَتِمُّ النِّعْمَةُ وَيَكْتَمِلُ الْفَضْلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. وَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا وُفِّقَ لِشُكْرِ نِعْمَةٍ احْتَاجَ إِلَى شُكْرٍ آخَرَ عَلَى أَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ الشُّكْرِ، فَلَا يَنْقَطِعُ الشُّكْرُ أَبَدًا، وَلَا يَسْتَغْنِي الْعَبْدُ عَنْ فَضْلِ رَبِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ «لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ»: «وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: “إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ” إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ إِنَّمَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ شُكْرِ النِّعْمَةِ». أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ أَعْمَالًا صَالِحَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَيْهِ، وَيَزْدَادُونَ بِهَا إِيمَانًا وَشُكْرًا وَاتِّصَالًا بِرَبِّهِمْ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ ذِكْرٍ وَشُكْرٍ وَطَاعَةٍ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تُظْهِرُ تَعْظِيمَ اللَّهِ وَشُكْرَهُ عَلَى مَا هَدَى وَوَفَّقَ، وَيَبْدَأُ التَّكْبِيرُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صُبْحِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَسَائِرِ الْأَمَاكِنِ؛ إِظْهَارًا لِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعَظِيمَةِ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ عَمَرُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمُ الصَّالِحَاتِ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَأَنْ يَجْعَلَ خِتَامَ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ مَزِيدًا مِنَ الْقُرْبِ وَالِاسْتِقَامَةِ.

 

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر