أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، مَا تَزَالُ نَفَحَاتُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْمُبَارَكَاتِ تَتَوَالَى، وَمَا تَزَالُ مَوَاسِمُ الْخَيْرِ وَالْإِيمَانِ مُمتَدَّةً بِأَيَّامٍ عَظِيمَةٍ مُبَارَكَةٍ، أَلَا وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ؛ تِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى خَاتِمَةً لِشَعَائِرِ الْحَجِّ وَعِيدِ الْأَضْحَى، وَجَعَلَهَا أَيَّامَ ذِكْرٍ وَشُكْرٍ وَفَرَحٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قال سبحانه” واذكروا الله في أيام معدودات” وَهِيَ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (رواه أحمد). وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ـ إِخْوَةَ الْإِيمَانِ ـ هِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ، رَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ»، وَهِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ لِلْحَاجِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]. وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُشَرِّقُونَ فِيهَا اللُّحُومَ؛ أَيْ يُجَفِّفُونَهَا فِي الشَّمْسِ حِفْظًا لَهَا مِنَ الْفَسَادِ. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ عَظِيمَ مَكَانَتِهَا فَقَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (رواه مسلم)، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: «مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (رواه أحمد). وَلِذَلِكَ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ صِيَامِهَا؛ لِأَنَّهَا أَيَّامُ ضِيَافَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ نِعْمَتِهِ، إِلَّا مَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ مِنَ الْحُجَّاجِ، كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ» (رواه البخاري). وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ خَاتِمَةَ مَوْسِمٍ عَظِيمٍ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ، شُرِعَ فِيهَا الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200]. فَالْحُجَّاجُ يُتِمُّونَ مَنَاسِكَهُمْ، وَغَيْرُ الْحُجَّاجِ يَخْتِمُونَ عَشْرَهُمُ الْمُبَارَكَةَ بِالْأَضَاحِي وَالْقُرُبَاتِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ، فَكَانَ مِنْ تَمَامِ الشُّكْرِ أَنْ تُعَمَّرَ هَذِهِ الْأَيَّامُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ تَبْقَى الْقُلُوبُ مُتَعَلِّقَةً بِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَوَاسِمِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تُحْيَا بِهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ إِظْهَارُ شَعِيرَةِ التَّكْبِيرِ وَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر