أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ نِعْمَةَ الْوَقْتِ، فَهُوَ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ مَيْدَانُ الْعَمَلِ، وَمَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَالْوِعَاءُ الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، فَمَنْ أَحْسَنَ اسْتِغْلَالَهُ سَعِدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَمَنْ أَضَاعَهُ نَدِمَ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ. وَلمَكَانَةِ الْوَقْتِ أيها المؤمنون وَعِظَمِ شَأْنِهِ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَلَا يُقْسِمُ سُبْحَانَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ إِلَّا لِيُنَبِّهَ عَلَى عِظَمِ قَدْرِهِ وَجَلَالِ مَنْفَعَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1-2]. وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِنِعْمَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُمَا وِعَاءُ الْعُمُرِ وَمَيْدَانُ الْأَعْمَالِ وَالزَّمَنُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ حَيَاةُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]، فَجَعَلَ تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ آيَةً مِنْ آيَاتِهِ، وَسَبَبًا لِتَذَكُّرِ الْغَافِلِ، وَاسْتِدْرَاكِ الْمُقَصِّرِ، وَازْدِيَادِ الْمُحْسِنِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشُّكْرِ. ثُمَّ لَفَتَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنْظَارَنَا إِلَى قِيمَةِ الْعُمُرِ كُلِّهِ فَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: 37]، فَالْعُمُرُ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي خَزَائِنُ الْأَعْمَالِ وَمَزَارِعُ الْآخِرَةِ، فَمَا مِنْ يَوْمٍ يَمْضِي إِلَّا وَيُطْوَى بِمَا أُودِعَ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمَا مِنْ سَاعَةٍ تَنْقَضِي إِلَّا وَهِيَ تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ أَجَلِهِ وَتُبَاعِدُهُ مِنْ دُنْيَاهُ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَدْ نَبَّهَ إِلَى عِظَمِ قِيمَةِ الْوَقْتِ وَخُطُورَةِ الْعُمُرِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ جَاءَتْ مُؤَكِّدَةً لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَمُبَيِّنَةً أَنَّ الْوَقْتَ مِنْ أَثْمَنِ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري). وَالْمَغْبُونُ هُوَ الْخَاسِرُ الَّذِي أُوتِيَ النِّعْمَةَ ثُمَّ لَمْ يُحْسِنِ الِانْتِفَاعَ بِهَا. ثُمَّ زَادَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَمْرَ إِيضَاحًا فَقَالَ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (رواه الحاكم). فَجَعَلَ ﷺ هَذِهِ النِّعَمَ فُرَصًا عَابِرَةً سُرْعَانَ مَا تَرْتَحِلُ، وَدَعَا إِلَى مُسَارَعَةِ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَهَا مَانِعٌ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ نِعْمَةً فَحَسْبُ بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، فَقَالَ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ…» (رواه الترمذي). فَتَأَمَّلُوا عِبَادَ اللَّهِ هَذَا السُّؤَالَ الْعَظِيمَ؛ فَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: كَمْ عِشْتَ؟ وَلَا كَمْ بَلَغَ عُمُرُكَ؟ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «فِيمَا أَفْنَاهُ»، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِطُولِ الْأَعْمَارِ، وَإِنَّمَا بِحُسْنِ اسْتِثْمَارِهَا وَعِمَارَتِهَا بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ طَالَ عُمُرُهُ وَقَلَّ نَفْعُهُ، وَكَمْ مِنْ مُوَفَّقٍ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي أَيَّامِهِ فَمَلَأَهَا بِالْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، فَكَانَ مِنَ الفائزين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
الجزء الأول من خطبة الجمعة من جامع الجزائر