أحيا العالم، أمس، 20 جوان، اليوم العالمي للاجئين، وهي مناسبة لتسليط الضوء على ملايين الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة أوطانهم بسبب الحروب أو الكوارث أو الأزمات المختلفة، وفي هذا السياق، تبرز قيم التضامن الإنساني باعتبارها إحدى أهم الوسائل التي تساعد المتضررين على تجاوز محنهم واستعادة الأمل في مستقبل أفضل.
وعندما يُذكر التضامن الإنساني، تحضر الجزائر كواحدة من أبرز الدول التي ارتبط اسمها تاريخيا بمساندة الشعوب المحتاجة، انطلاقا من مبادئها القائمة على الأخوة والتعاون واحترام الكرامة الإنسانية، فقد جعلت الجزائر من العمل الإنساني جزءا من سياستها وتقاليدها الاجتماعية، سواء على المستوى الرسمي أو من خلال مبادرات المجتمع المدني والمواطنين.
من أفراد الحركات التحررية إلى الشعوب الباحثة عن الأمن
تعتبر الجزائر من أهم الدول المستقبلة للاجئين قديما وحديثا، لا كمنطقة عبور فحسب ولكن كمنطقة استقرار، فبعد الاستقلال مباشرة اتخذها اللاجئون قبلة لهم وملاذا آمنا ومقصدا خاصة منهم أفراد حركات المقاومة الثورية المضطهدة والفارة من جشع وقبضة قوات الاستعمار، وحاليا بالنسبة لكافة الشعوب التي تطلب اللجوء بسبب النزاعات المسلحة وغيرها من الأسباب الأخرى التي تدفع لطلب الحماية جراء الاضطهاد، وقصد ضمان توفير الحماية لهذه الفئة سارعت الدولة الجزائرية منذ البداية للمصادقة على الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بشؤون اللاجئين.
وتستضيف الجزائر عشرات الآلاف من اللاجئين، وفي مقدمتهم مخيمات اللاجئين الصحراويين التي تدعمها الجزائر منذ أكثر من 50 عاماً، كما تستضيف الجزائر آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء من جنسيات مختلفة، خاصة من سوريا ودول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي تعمل مع المنظمات الدولية لتقديم الرعاية الأساسية لهم، ويبرز المشهد العام للاجئين في الجزائر خاصة في رعاية اللاجئين الصحراويين الذين يُشكلون غالبية اللاجئين في الجزائر، حيث تستضيف مخيمات تندوف عشرات الآلاف، كما تستقبل الجزائر العاصمة والولايات الأخرى أفراداً من جنسيات مختلفة (مثل السوريين ورعايا دول الساحل)، حيث توفر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالجزائر خدمات متعددة لهم مثل الصحة، التعليم، والمساعدة القانونية والمالية بالتنسيق مع الشركاء، أما عن الجانب القانوني فيقتصر الدستور الجزائري حالياً على الاعتراف بحق اللجوء السياسي، بينما تتعامل الجهات الرسمية مع قضايا الهجرة غير النظامية وتدفقات دول الساحل وفقاً للقوانين الوطنية والاتفاقيات الثنائية لإدارة الحدود.
التضامن قيمة متجذرة في المجتمع الجزائري
عُرف الجزائريون عبر تاريخهم الطويل بالتكاتف والتعاون، حيث شكلت قيم “التويزة” والتضامن الاجتماعي جزءا من الحياة اليومية في المدن والقرى، وعندما يتعرض شخص أو عائلة أو حتى منطقة كاملة لظروف صعبة، يسارع المواطنون إلى تقديم المساعدة بما يستطيعون، سواء من خلال التبرعات أو الأعمال التطوعية أو حملات الدعم المختلفة وحتى استقبال اللاجئين الذي حدث عديد المرات.
هذه الثقافة التضامنية لم تقتصر على الداخل الجزائري فحسب، بل امتدت إلى مساعدة شعوب أخرى واجهت ظروفا استثنائية، وهو ما جعل العمل الإنساني أحد الجوانب المشرقة في صورة الجزائر على المستوى الدولي.
استقبال اللاجئين عبر مراحل مختلفة
على مدار العقود الماضية، استقبلت الجزائر أعدادا من اللاجئين الفارين من النزاعات والأزمات في مناطق مختلفة، ووفرت لهم ظروفا تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم والرعاية الأساسية.
كما قدمت الجزائر الدعم للاجئين من عدة دول إفريقية شهدت اضطرابات أمنية أو أزمات إنسانية، حيث استفاد الكثير منهم من خدمات التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية إلى حين تحسن أوضاعهم أو إيجاد حلول دائمة لوضعهم.
ويعكس هذا التوجه التزام الجزائر بالمبادئ الإنسانية الدولية التي تدعو إلى حماية الأشخاص الذين أجبرتهم الظروف على مغادرة أوطانهم.
مخيمات اللاجئين الصحراويين.. تجربة إنسانية مستمرة
ومن أبرز الأمثلة على جهود الجزائر في مجال استقبال اللاجئين، احتضانها منذ عقود لمخيمات اللاجئين الصحراويين بمنطقة تندوف جنوب غرب البلد، وقد وفرت الجزائر لهذه المخيمات الظروف الأساسية للإقامة، كما أنشأت مرافق تعليمية وصحية واجتماعية تسمح للسكان بمواصلة حياتهم اليومية.
وتضم المخيمات مدارس ومراكز للتكوين ومؤسسات صحية، كما تستفيد من برامج دعم ومساعدات إنسانية تقدمها منظمات دولية وهيئات إغاثية مختلفة، وعلى مر السنين أصبحت المخيمات مثالا على تواصل الجهود الانسانية الرامية إلى ضمان حق اللاجئين في التعليم والعلاج والحياة الكريمة.
وتعكس هذه التجربة التزام الجزائر بمبادئ التضامن الإنساني واستقبال الأشخاص الذين أجبرتهم الظروف على مغادرة ديارهم، كما تبرز أهمية التعاون بين الدول والمنظمات الإنسانية للتخفيف من معاناة اللاجئين وتحسين ظروفهم المعيشية إلى حين إيجاد حلول دائمة لأوضاعهم.
دور الهلال الأحمر الجزائري
يُعد الهلال الأحمر الجزائري من أبرز الهيئات التي تنشط في مجال العمل الإنساني داخل الجزائر وخارجها، فمنذ تأسيسه وهو يشارك في تنظيم حملات الإغاثة وجمع التبرعات وكذا التكفل وتوزيع المساعدات على اللاجئين المقيمين في الجزائر، حيث يساهم الهلال الأحمر الجزائري في التكفل باللاجئين وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، إضافة إلى التنسيق مع منظمات إنسانية دولية من أجل إيصال المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
مسؤولية مشتركة
يُذكّرنا اليوم العالمي للاجئين بأن ملايين الأشخاص حول العالم ما زالوا بحاجة إلى الدعم والحماية والفرصة لبناء حياة جديدة، كما يُذكرنا بأن التضامن ليس مجرد مساعدات مادية، بل هو أيضا احترام للإنسان وكرامته وحقه في العيش بأمان.
وتقدم الجزائر مثالا على أهمية التمسك بهذه القيم الإنسانية من خلال مساهماتها في استقبال اللاجئين، وإغاثة المتضررين من الكوارث ودعم الشعوب التي تمر بظروف صعبة، وهي جهود تعكس إرثا من التآزر والتعاون ظل حاضرا عبر الأجيال، ويؤكد أن العمل الإنساني يظل أحد أنبل صور العطاء التي تجمع البشر مهما اختلفت أوطانهم وثقافتهم.
هذا، وفي ظل عالم اليوم الذي يشهد تزايد الأزمات والنزاعات والكوارث الطبيعية والإنسانية، تزداد الحاجة إلى نشر ثقافة التضامن والتكافل بين الشعوب، ويُشكل اليوم العالمي للاجئين فرصة للتأكيد على أن مدّ يد المساعدة للمتضررين ليس واجب المؤسسات فقط، بل مسؤولية إنسانية مشتركة يساهم فيها الجميع، ومن خلال مبادراتها الإنسانية المتعددة، تواصل الجزائر ترسيخ قيم الأخوة والتضامن، مؤكدة أن الوقوف إلى جانب المحتاجين يبقى من أسمى صور الإنسانية، وأن دعم اللاجئين ومساندتهم يمثلان استثمارا في قيم السلام والتعايش التي يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لمياء. ب






