التبرع بالدم في الجزائر

المتبرعون الدائمون وبنوك الدم في مواجهة الحاجة المتزايدة

المتبرعون الدائمون وبنوك الدم في مواجهة الحاجة المتزايدة

في كل يوم يحتاج مرضى ومصابون عبر مختلف مستشفيات الجزائر إلى أكياس دم قد تكون الفارق بين الحياة والموت، فحوادث المرور والعمليات الجراحية ومضاعفات الولادة، وعلاج بعض الأمراض المزمنة، كلها تجعل الحاجة إلى الدم مستمرة لا تتوقف، وفي خضم هذه الحاجة، يبرز المتبرعون بالدم كأحد أجمل صور التضامن الإنساني، بينما تواصل بنوك الدم جهودها لضمان توفير هذه المادة الحيوية لكل من يحتاجها.
التبرع بالدم ليس مجرد إجراء طبي بسيط، بل هو عمل إنساني يمنح الأمل للمرضى وعائلاتهم، فالكيس الواحد من الدم يمكن أن يساهم في علاج أكثر من مريض بعد فصل مكوناته المختلفة ما يجعل كل متبرع شريكا في إنقاذ الأرواح.
ويؤكد المختصون أن الحاجة إلى الدم لا ترتبط فقط بحالات الطوارئ والكوارث، بل هي حاجة يومية داخل المستشفيات، حيث يعتمد العديد من المرضى على عمليات نقل الدم بشكل منتظم لمواصلة العلاج أو تحسين حالتهم الصحية.

المتبرعون الدائمون.. جنود مجهولون في خدمة المجتمع
وسط حملات التبرع الموسمية، يبرز نوع خاص من المتبرعين الذين لا ينتظرون نداء عاجلا أو مناسبة معينة، بل يحرصون على التبرع بانتظام كلما سمحت لهم الشروط الصحية بذلك.
هؤلاء المتبرعون الدائمون يشكلون العمود الفقري لمخزون الدم، لأن تبرعاتهم المنتظمة تساعد على استقرار المخزون وتجنب حالات النقص المفاجئ، كما أنهم يقدمون نموذجا راقيا للمواطنة والتضامن، حيث يعتبرون أن التبرع بالدم واجب إنساني تجاه أفراد المجتمع.
وفي الجزائر، نجد العديد من المواطنين الذين جعلوا من التبرع بالدم عادة راسخة في حياتهم، بعضهم تبرع عشرات المرات على مدار سنوات طويلة، دون انتظار مقابل أو شهرة، مكتفين بالشعور الدائم بأنهم ساهموا في إنقاذ حياة إنسان.

بنوك الدم.. حلقة أساسية في المنظومة الصحية
لا تقتصر عملية التبرع على جمع الدم فقط، بل تمر بمراحل دقيقة داخل بنوك الدم الموجودة بالمؤسسات الاستشفائية ومراكز حقن الدم.
فبعد التبرع يخضع الدم لفحوصات وتحاليل صارمة للتأكد من سلامته قبل حفظه وتوزيعه حسب احتياجات المرضى، كما تعمل هذه المراكز على متابعة المخزون المتوفر والتنسيق مع مختلف المؤسسات الصحية لضمان تلبية الطلب المتزايد.
وتؤدي بنوك الدم دورا حيويا خاصة خلال فترات العطل والمناسبات الكبرى، حيث ينخفض عدد المتبرعين أحيانا مقابل استمرار الحاجة إلى الدم داخل المستشفيات.

أرقام تعكس الحاجة
تشير المعطيات المتداولة من الهيئات الصحية الجزائرية إلى أن مئات الآلاف من أكياس الدم يتم جمعها سنويا عبر مختلف مراكز ومصالح حقن الدم في البلد، ورغم الجهود المبذولة، فإن الحفاظ على مخزون آمن ومستقر يظل تحديا دائما بسبب الطلب المتواصل على هذه المادة الحيوية.
كما تسعى السلطات الصحية والجمعيات الناشطة في المجال إلى رفع نسبة المتبرعين المنتظمين، باعتبارهم الضمان الحقيقي لاستمرارية توفر الدم في مختلف الظروف.

مرضى يعتمدون على التبرعات المنتظمة
هناك فئات من المرضى لا يمكنها الاستغناء عن عمليات نقل الدم، مثل المصابين بأمراض الدم الوراثية وبعض أنواع السرطان إضافة إلى المرضى الذين يخضعون لعمليات جراحية معقدة، بالنسبة لهؤلاء، فإن التبرع بالدم ليس مجرد مبادرة خيرية، بل هو ضرورة طبية تمكنهم من مواصلة العلاج ومواجهة المرض، لذلك فإن كل متبرع يساهم بشكل مباشر في تحسين حياة هؤلاء المرضى ومنحهم فرصة إضافية للعلاج والشفاء.

نشر ثقافة التبرع طوال السنة
رغم النجاح الذي تحققه الحملات التحسيسية في استقطاب متبرعين جدد، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل التبرع بالدم إلى سلوك دائم وثقافة مجتمعية متجذرة.
فالاحتياج إلى الدم لا يقتصر على يوم عالمي أو مناسبة معينة بل يستمر على مدار السنة، ومن هنا تبرز أهمية التوعية المستمرة داخل المدارس والجامعات وأماكن العمل والجمعيات لترسيخ قيم التضامن والمسؤولية الاجتماعية.

الحملات التحسيسية لترسيخ ثقافة التبرع بالدم ونشر الوعي
تعد الحملات التحسيسية من أهم الخطوات والعوامل التي تساهم في ترسيخ ثقافة التبرع بالدم، حيث سطرت الاتحادية الجزائرية للمتبرعين بالدم على مستوى ولايات الوطن العديد من البرامج والحملات التوعوية التي تهدف إلى حث المواطنين على التبرع بدمهم، من خلال التوجه إلى مختلف المستشفيات وبنوك الدم، كما قامت بالتنسيق مع الإذاعة الجزائرية والتلفزة الوطنية قصد تحسيس المواطنين وتشجيعهم على منح قطرات من دمهم إلى المرضى المحتاجين والمصابين، بهدف تكثيف الاقبال على هذه العملية الإنسانية والتطوعية التي تحمل جانبا جوهريا يدخل في إطار نشر روح التضامن والتعاون، ويؤكد المختصون أنه يجب على المواطنين عدم الخوف من عملية التبرع بالدم كونها تتم بوسائل حديثة ومعقمة ولا تؤدي إلى إلحاق أي ضرر بالمتبرعين كون الحقن المستعملة أحادية ويتم التخلص منها فور استعمالها لشخص واحد فقط، وأضافوا أنه يجب تكثيف حملات التوعية والتحسيس في المؤسسات التربوية بغرض توعية المتمدرسين لتأدية هذا الواجب عند بلوغهم 18 سنة، مع ترسيخ ثقافة التبرع التطوعي خارج الإطار العائلي منذ الصغر، في ظل وجود العديد من المرضى الذين يحتاجون لهذه المادة الحيوية من أجل اعادة الحياة إلى أجسامهم المريضة.

نقص في بعض الفترات.. والحاجة مستمرة
رغم الحملات التحسيسية، إلا أن بعض المستشفيات تعاني من نقص في أكياس الدم، خاصة في فترات الصيف أو خارج المناسبات الدينية، حيث ينخفض عدد المتبرعين، وهو ما يدعو إلى ضرورة ترسيخ ثقافة التبرع المنتظم بدل ربطه فقط بالأزمات وحالات الطوارئ.

70 بالمائة من الجزائريين زمرتهم إيجابية
جدير بالإشارة، أن أغلب الجزائريين ينتمون إلى الفئة الإيجابية لزمرة الدم بنسبة 70 بالمائة وبالضبط لفئتي “a” و”o”، ونسبة 9.5 بالمائة للزمرة السلبية بمعدل 2 بالمائة من كل 100 ساكن بالجزائر، منها نسبة 1.5 لفئة AB- الأكثر ندرة بمجتمعنا، و55 ألف جزائري يتعذر عليهم التبرع بدمهم بسبب إصابتهم بأمراض مزمنة.

رسالة اليوم العالمي للتبرع بالدم
يأتي اليوم العالمي للتبرع بالدم ليذكرنا بأن إنقاذ الأرواح لا يتطلب دائما إمكانيات كبيرة، فقد تكون بضع دقائق يقضيها المتبرع في مركز حقن الدم سببا في إنقاذ مريض أو مساعدة أسرة تعيش لحظات صعبة، وفي مجتمع لطالما عُرف بروح التكافل والتضامن، يبقى التبرع بالدم واحدا من أنبل الأعمال الانسانية، ويبقى المتبرعون الدائمون مثالا حيا للعطاء الصامت، بينما تواصل بنوك الدم جهودها اليومية لضمان توفر هذه المادة الحيوية لكل من يحتاجها، فربما تكون قطرة دم واحدة سببا في منح إنسان فرصة جديدة للحياة.

لمياء. ب