يحيي العالم في الرابع جوان من كل سنة، اليوم العالمي للأطفال ضحايا الاعتداءات، وهي مناسبة للتذكير بمعاناة آلاف الأطفال الذين يتعرضون لمختلف أشكال العنف والإساءة والاستغلال، وللتأكيد على ضرورة توفير بيئة آمنة تضمن لهم النمو السليم والحياة الكريمة، فالطفل ليس فقط فردا يحتاج إلى الرعاية والحماية، بل هو مستقبل المجتمع وثروته الحقيقية، وأي اعتداء يتعرض له يترك آثارا قد تمتد لسنوات طويلة.
وفي الجزائر كما في مختلف دول العالم، تتواصل الجهود الرسمية والمجتمعية لحماية الأطفال من مختلف المخاطر، غير أن التوعية تبقى عاملا أساسيا في الوقاية من هذه الظواهر والحد من انتشارها.
أشكال متعددة من الاعتداءات
لا يقتصر الاعتداء على الطفل على العنف الجسدي فقط، بل يشمل أيضا العنف النفسي والإهمال والاستغلال بمختلف أنواعه، فقد يتعرض الطفل للإهانة المستمرة أو التهديد أو الحرمان من حقوقه الأساسية، وهي ممارسات قد لا تترك آثارا ظاهرة على الجسد، لكنها تؤثر بشكل عميق على شخصيته وتوازنه النفسي.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة أشكال جديدة من المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، حيث أصبح بعض الأطفال عرضة للتنمر الإلكتروني أو محاولات الاستغلال عبر مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، ما يفرض على الأولياء مواكبة التطورات التكنولوجية ومراقبة استخدام أبنائهم للأنترنت بشكل واع ومتوازن.
الأسرة.. خط الدفاع الأول
تُعد الأسرة الحصن الأول لحماية الطفل من مختلف أشكال الاعتداء، فالحوار المستمر بين الآباء والأبناء يساعد على بناء الثقة ويشجع الطفل على الحديث عن أي مشكلة أو تصرف يزعجه.
ويؤكد المختصون أن الطفل الذي يشعر بالأمان داخل أسرته يكون أكثر قدرة على طلب المساعدة عند تعرضه لأي أذى، لذلك فإن تخصيص وقت للاستماع إلى الأبناء ومتابعة حياتهم اليومية ومحيطهم الاجتماعي يساهم بشكل كبير في اكتشاف المشكلات مبكرا ومعالجتها قبل تفاقمها.
كما أن التربية القائمة على الاحترام والتفاهم بعيدا عن العنف اللفظي أو الجسدي تساعد على تنشئة أطفال أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على الدفاع عن حقوقهم.
المدرسة شريك أساسي في الحماية
لا تقتصر مهمة المدرسة على التعليم فقط، بل تلعب دورا محوريا في حماية الأطفال وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم، فالمعلمون والإداريون غالبا ما يكونون من أوائل الأشخاص القادرين على ملاحظة التغيرات السلوكية والنفسية التي قد تدل على تعرض الطفل لمشكلة ما.
ومن خلال الأنشطة التربوية والتحسيسية يمكن للمدرسة أن تزرع لدى الأطفال ثقافة احترام الآخر ونبذ العنف، وأن تعلمهم كيفية التصرف عند مواجهة أي سلوك مسيء أو خطر يهدد سلامتهم.
أرقام تدعو إلى مزيد من اليقظة
تكشف الإحصائيات والدراسات المتوفرة عن حجم التحدي الذي تواجهه جهود حماية الطفولة في الجزائر، فوفق دراسة أنجزت بالتعاون بين منظمة اليونيسيف والجهات الجزائرية المختصة، فإن نسبة معتبرة من الأطفال تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف داخل الوسط العائلي، وهو ما يعكس الحاجة إلى تعزيز ثقافة الحوار والتربية الإيجابية داخل الأسرة، كما كشفت معطيات حديثة عن تسجيل مئات الحالات المرتبطة بالجرائم الإلكترونية التي كان الأطفال ضحايا أو أطرافا فيها خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تنامي المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للأنترنت.
وحسب المختصين، فإنه لا يوجد إحصاء وطني شامل وموحد لعدد الأطفال ضحايا العنف في الجزائر في الوقت الحالي، نظراً لتعدد الجهات المتدخلة (الشرطة، الدرك، المستشفيات، والمجتمع المدني)، إضافة لاعتماد الكثير من العائلات على “الستر” والتكتم لتجنب الوصم الاجتماعي، إلا أن التقارير والدراسات الرسمية والحقوقية تقدم مؤشرات واضحة عن حجم الظاهرة، حيث تشير دراسات مسحية متخصصة إلى أن نسبة تصل إلى 80.9 بالمئة من الأطفال في الفئة العمرية بين (1 إلى 14 سنة) في الجزائر قد تعرضوا لشكل من أشكال العنف (خاصة العنف اللفظي والنفسي كوسيلة للتأديب).
في سياق متصل، تُسجل مصالح الطب الشرعي، على غرار مصلحة مستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة، أرقاماً دقيقة لحالات يتم إثباتها، حيث تستقبل المصلحة وحدها أكثر من 320 حالة اعتداء جنسي ضد القُصّر سنوياً، كما رصدت تقارير وطنية سابقة (مثل بيانات شبكة “ندى”) في بعض الفترات تسجيل آلاف الاعتداءات ضد الصغار سنوياً، حيث تصدّر العنف الجسدي القائمة بآلاف الضحايا، تلاه العنف الجنسي، بالإضافة إلى مئات حالات الاختطاف والاعتداءات الخطيرة، ويرى مختصون أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة لأن العديد من الحالات تبقى غير معلنة بسبب الخوف أو الصمت أو عدم معرفة الجهات التي يمكن اللجوء إليها، لذلك يؤكد الخبراء أن التبليغ المبكر عن أي حالة عنف أو استغلال أو إساءة تجاه طفل يعد خطوة أساسية لحمايته ومنع تكرار الاعتداءات، كما يساهم في تمكين الجهات المختصة من التدخل وتقديم المرافقة اللازمة للضحايا.
حماية الطفل في القانون الجزائري
أولى المشرع الجزائري أهمية كبيرة لحماية الطفولة من خلال مجموعة من النصوص القانونية التي تجرم مختلف أشكال العنف والاستغلال والإساءة الموجهة للأطفال.
كما ينص القانون المتعلق بحماية الطفل على جملة من التدابير الرامية إلى ضمان أمنه الجسدي، النفسي والاجتماعي، مع توفير آليات للتبليغ والتكفل بالحالات التي تستدعي التدخل، وتعكس هذه الترسانة القانونية حرص الدولة على جعل مصلحة الطفل أولوية أساسية في جميع الظروف.
نماذج إيجابية من المجتمع
لا يخلو المجتمع الجزائري من نماذج إيجابية تعكس روح التضامن مع الأطفال المحتاجين للحماية والرعاية، فكثير من الجمعيات والمتطوعين يُنظمون حملات تحسيسية وورشات توعوية داخل المدارس والأحياء لتعريف الأطفال بحقوقهم وتعزيز ثقافة الحماية.
كما تشهد بعض المؤسسات التربوية مبادرات تهدف إلى مكافحة التنمر والعنف المدرسي وتشجيع قيم الاحترام والتعاون بين التلاميذ، وهي جهود تستحق الدعم والتشجيع لما لها من أثر مباشر في بناء بيئة أكثر أمنا للأطفال.
مسؤولية الجميع
حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة أو المدرسة وحدهما، بل هي مسؤولية جماعية تشمل مختلف أفراد المجتمع، فكل مواطن يُمكن أن يُساهم في حماية طفل من خلال التبليغ عن أي سلوك يُهدد سلامته أو من خلال نشر ثقافة الاحترام والرحمة والتضامن.
كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مدعوة إلى تعزيز المحتوى التوعوي الذي يُسلط الضوء على حقوق الطفل وطرق حمايته، بعيدا عن أي ممارسات قد تضر بمصلحته أو تنتهك خصوصيته.
التبليغ ينقذ الأطفال ويحميهم
من أكبر التحديات التي تواجه حماية الأطفال ضحايا الاعتداءات، استمرار ثقافة الصمت والخوف من التبليغ سواء داخل الأسرة أو في المحيط الاجتماعي، فكثير من الحالات لا يتم اكتشافها إلا بعد مرور وقت طويل، ما يؤدي إلى تفاقم الأضرار النفسية والاجتماعية التي قد يُعاني منها الطفل.
ويؤكد المختصون أن التبليغ المبكر عن أي شبهة عنف أو استغلال أو إساءة تجاه طفل يُمكن أن يساهم في حمايته وإنقاذه من معاناة قد تستمر لسنوات، ولا يقتصر هذا الواجب على أفراد الأسرة فقط بل يشمل أيضا المعلمين والجيران والأقارب، وكل شخص يلاحظ مؤشرات تدعو إلى القلق.
طفولة آمنة.. مستقبل أفضل
يُمثل اليوم العالمي للأطفال ضحايا الاعتداءات فرصة للتأكيد على أن كل طفل يستحق أن يعيش في بيئة آمنة تحترم كرامته وتصون حقوقه، فالأطفال الذين يحظون بالحماية والرعاية اليوم هم شباب الغد القادرون على المساهمة في بناء مجتمع أكثر استقرارا وتقدما.
لمياء. ب