في اليوم العالمي لمكافحته

التدخين في الجزائر.. عادة تُهدد الصحة وتستنزف الجيب

التدخين في الجزائر.. عادة تُهدد الصحة وتستنزف الجيب

يُحيي العالم في 31 ماي من كل سنة، اليوم العالمي لمكافحة التدخين، وهي مناسبة أطلقتها منظمة الصحة العالمية من أجل التحسيس بمخاطر التدخين وآثاره الخطيرة على صحة الإنسان والمجتمع، وفي الجزائر تتجدد خلال هذا اليوم الدعوات إلى ضرورة مواجهة هذه الظاهرة التي أصبحت تمس مختلف الفئات العمرية، خاصة فئة الشباب والمراهقين، في ظل الانتشار الواسع للسجائر التقليدية والإلكترونية على حد سواء.
ورغم حملات التوعية المتكررة، ما يزال التدخين من أكثر العادات انتشارا داخل المجتمع، حيث أصبح مشهدا مألوفا في الشوارع، المقاهي وحتى بعض الفضاءات العمومية، الأمر الذي يُثير قلق العائلات والمهتمين بالشأن الصحي، بالنظر إلى الانعكاسات السلبية التي يُخلفها التدخين على الفرد والمحيط.

بداية بدافع الفضول.. ونهاية بإدمان صعب

  
في كثير من الحالات، تبدأ علاقة الشباب بالتدخين بدافع الفضول أو تقليد الأصدقاء، خاصة خلال مرحلة المراهقة التي يبحث فيها البعض عن لفت الانتباه أو الظهور بمظهر “الرجل الناضج”، ومع مرور الوقت، تتحول تلك السيجارة الأولى إلى عادة يومية يصعب التخلص منها.
ويرى مختصون في علم النفس أن الضغوط الاجتماعية والمشاكل النفسية والفراغ كلها عوامل تدفع ببعض الشباب نحو التدخين، معتبرين أنه وسيلة للهروب من التوتر أو القلق، دون إدراك لحجم الأضرار التي قد يُسببها مستقبلا.
وفي الجزائر يُلاحظ تزايد انتشار التدخين وسط فئة الشباب، خاصة مع انتشار السجائر الإلكترونية التي يتم الترويج لها على أنها أقل ضررا، رغم التحذيرات الطبية التي تؤكد احتواءها على مواد خطيرة قد تؤثر على الرئتين والقلب والجهاز العصبي.

أمراض خطيرة تُهدد المدخنين
يؤكد الأطباء أن التدخين يُعد من الأسباب الرئيسية للإصابة بعدة أمراض مزمنة، وفي مقدمتها سرطان الرئة وأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى مشاكل التنفس
والحساسية وضعف المناعة، كما يؤثر التدخين بشكل مباشر على اللياقة البدنية والمظهر الخارجي، حيث يُسبب اصفرار الأسنان وتسارع شيخوخة الجلد وضعف النشاط العام.
ولا تقتصر خطورة التدخين على المدخنين فقط بل تمتد إلى الأشخاص المحيطين بهم من خلال التدخين السلبي، الذي يتعرض له الأطفال والنساء وكبار السن داخل المنازل والأماكن المغلقة، ويُحذر مختصون من أن الأطفال الذين يعيشون في بيئة مليئة بالدخان يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والحساسية.
وفي بعض العائلات الجزائرية، أصبح التدخين سببا في مشاكل صحية متكررة داخل البيت، خاصة عندما يُدخن الأب أو أحد أفراد الأسرة داخل البيت بحضور الأطفال، وهو ما يدفع كثيرا بالأمهات إلى المطالبة بمزيد من الوعي حول مخاطر التدخين السلبي.

المقاهي والأحياء الشعبية.. التدخين كعادة اجتماعية


في العديد من الأحياء الشعبية والمقاهي، ارتبط التدخين عند البعض بالجلوس اليومي وتبادل الأحاديث، حتى أصبح جزءا من الروتين اليومي لكثير من الأشخاص، كما يُلاحظ انتشار التدخين بشكل كبير حتى خلال المناسبات والتجمعات، رغم حملات التوعية المتواصلة.
ويرى متابعون أن النظرة الاجتماعية للتدخين تغيرت كثيرا خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح البعض يعتبره أمرا عاديا، وهو ما ساهم في اتساع الظاهرة وسط الشباب، كما ساعدت بعض المشاهد المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والأعمال الدرامية في إعطاء صورة “عادية” عن التدخين دون التركيز على مخاطره الحقيقية.

خسائر مالية تُثقل كاهل العائلاتإلى جانب الأضرار الصحية، يُشكل التدخين عبئا ماليا على كثير من العائلات الجزائرية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار السجائر والظروف المعيشية الصعبة، فالكثير من المدخنين يُنفقون مبالغ معتبرة بشكل يومي على شراء السجائر، وهي أموال كان يُمكن استغلالها في احتياجات أكثر أهمية للأسرة.
ويشير بعض المختصين إلى أن المدخن قد يصرف خلال سنة واحدة مبالغ تكفي لاقتناء أجهزة منزلية أو تغطية مصاريف مهمة، لكن الإدمان يجعله غير قادر على التوقف بسهولة.
كما تتحمل المؤسسات الصحية أعباء كبيرة نتيجة الأمراض المرتبطة بالتدخين، ما يزيد الضغط على المستشفيات ومصالح العلاج، خاصة مع ارتفاع عدد المصابين بالأمراض المزمنة المرتبطة باستهلاك التبغ.

أرقام مقلقة
تُشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن التبغ يتسبب في وفاة أكثر من 7 ملايين شخص سنويا عبر العالم من بينهم حوالي 1.6 مليون شخص يتعرضون للتدخين السلبي دون أن يكونوا مدخنين، كما تؤكد المنظمة أن أغلب المدخنين يبدأون استهلاك التبغ في سن مبكرة ما يزيد من خطر الإدمان والأمراض المزمنة مستقبلا.
وفي الجزائر كشفت دراسات وتحقيقات صحية حديثة عن استمرار انتشار التدخين وسط فئة الشباب، الأمر الذي دفع الوكالة الوطنية للأمن الصحي إلى تنظيم أيام علمية وحملات تحسيسية للتحذير من خطورة الظاهرة خاصة مع تزايد استعمال السجائر الإلكترونية.

حملات توعية مستمرة


وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التدخين، تُنظم في الجزائر حملات تحسيسية داخل المدارس والجامعات ودور الشباب والمراكز الصحية من أجل توعية المواطنين بخطورة التدخين وتشجيع المدخنين على الإقلاع عنه.
كما يُشارك أطباء وجمعيات ناشطة في المجال الصحي في تقديم نصائح وإرشادات حول الطرق الصحية للتخلص من الإدمان، مع التأكيد على أهمية الدعم النفسي والعائلي للمدخنين الراغبين في التوقف عنه.
ويُطالب كثير من المواطنين بتشديد الرقابة على بيع السجائر للقصر ومنع التدخين في بعض الفضاءات العمومية المغلقة، إلى جانب تكثيف البرامج الإعلامية الموجهة لفئة الشباب.

الإقلاع عن التدخين.. قرار يُنقذ حياة


ورغم صعوبة الإقلاع عن التدخين بالنسبة للبعض، إلا أن كثيرين تمكنوا من التخلص من هذه العادة بعد سنوات طويلة بفضل الإرادة القوية والدعم العائلي والمتابعة الطبية.
ويؤكد مختصون أن التوقف عن التدخين يمنح الجسم فرصة لاستعادة جزء كبير من صحته تدريجيا، كما ينعكس بشكل إيجابي على الحالة النفسية والمادية للشخص.
هذا، ويبقى اليوم العالمي لمكافحة التدخين فرصة مهمة لإعادة فتح النقاش حول هذه الظاهرة داخل المجتمع الجزائري، والعمل على نشر ثقافة صحية تحمي الأجيال القادمة من مخاطر الإدمان والأمراض، فالتدخين ليس مجرد عادة يومية عابرة بل خطر حقيقي يُهدد صحة الإنسان واستقرار العائلة والمجتمع، ومواجهته تبدأ بالوعي والرقابة واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
لمياء. ب