في اليوم العالمي للطفولة

أطفال السرطان في الجزائر.. طفولة تواجه الألم بالأمل

أطفال السرطان في الجزائر.. طفولة تواجه الألم بالأمل

في الوقت الذي يعيش فيه الأطفال عادة أجمل سنوات العمر بين اللعب والدراسة والأحلام الصغيرة، يجد بعضهم أنفسهم داخل غرف العلاج والمستشفيات، يواجهون مرضا صعبا أكبر من أعمارهم بكثير، هم أطفال السرطان، الذين تحولت طفولتهم إلى رحلة طويلة من العلاج والصبر، في مواجهة الألم والخوف، لكن أيضا في مواجهة الأمل والإرادة.
وفي الجزائر أصبحت قصص الأطفال المصابين بالسرطان تلامس قلوب المواطنين بشكل كبير، خاصة مع انتشار حملات التضامن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أين يتسابق كثيرون لمساعدة العائلات المحتاجة أو التبرع بالدم وتوفير تكاليف العلاج والتنقل.
تسجل الجزائر سنوياً ما بين 1500 إلى 2000 حالة إصابة جديدة بالسرطان لدى الأطفال، وهو ما يمثل تقريباً 5% من مجموع الإصابات العامة بالسرطان في الوطن، ويُعد سرطان الدم (اللوكيميا) الأكثر انتشاراً بين الأطفال، حيث يشكل حوالي ثلثي الحالات، يليه سرطان الغدد الليمفاوية، أورام المخ، ثم سرطان العظام، وتؤكد الإحصائيات الطبية في الجزائر أن معدل الشفاء التام من سرطانات الأطفال يتراوح ما بين 50% إلى 75%، وذلك بفضل التشخيص المبكر والتقدم في بروتوكولات العلاج.
وتشهد المنظومة الصحية في الجزائر إجراءات وتدابير متواصلة لتحسين التكفل بهذه الفئة، حيث يتلقى الأطفال المصابون الرعاية في عدة مصالح متخصصة عبر الوطن (أبرزها مصلحة أورام الأطفال في مستشفى باب الوادي).

مرض لا يختار عمرا
يؤكد الأطباء أن السرطان لدى الأطفال يختلف عن ذلك الذي يصيب الكبار سواء من حيث نوع المرض أو طريقة العلاج، ومن بين أكثر السرطانات انتشارا لدى الأطفال، نجد سرطان الدم “اللوكيميا”، إضافة إلى بعض الأورام التي تُصيب الدماغ والعظام والغدد.
ورغم تطور الطب وارتفاع نسب الشفاء في كثير من الحالات عند اكتشاف المرض مبكرا، إلا أن رحلة العلاج تبقى صعبة وطويلة بالنسبة للطفل وعائلته، خاصة عندما يضطر إلى قضاء أشهر داخل المستشفى بعيدا عن حياته الطبيعية.
وتعيش عائلات الأطفال المصابين بالسرطان في الجزائر معاناة يومية بسبب هذا المرض، بين التنقل المستمر نحو مراكز العلاج والبحث عن الأدوية، ومحاولة توفير الدعم النفسي لأطفالهم رغم الظروف الصعبة.

المستشفى.. عالم جديد لطفل صغير
بالنسبة لطفل السرطان، يُصبح المستشفى جزءا من حياته اليومية، فبدل اللعب في الساحات أو الجلوس داخل القسم، يقضي ساعات طويلة بين التحاليل وجلسات العلاج الكيميائي والمتابعة الطبية.
ويقول مختصون إن الجانب النفسي يلعب دورا مهما في رحلة العلاج لأن الطفل لا يفهم دائما سبب الألم أو تساقط شعره أو ابتعاده عن أصدقائه ومدرسته، لذلك تحاول بعض المصالح الطبية والجمعيات إدخال أجواء من الفرح داخل المستشفيات عبر تنظيم نشاطات ترفيهية ورسم واحتفالات صغيرة تخفف عن الأطفال ضغط المرض وتعب العلاج.
وفي كثير من المستشفيات الجزائرية، أصبح المتطوعون والجمعيات الخيرية جزءا مهما من الدعم المعنوي، حيث يعملون على رسم الابتسامة على وجوه الأطفال من خلال الهدايا والأنشطة الترفيهية والزيارات التضامنية.

معاناة العائلات خلف الأبواب
وراء كل طفل مريض بالسرطان توجد عائلة تعيش ضغطا نفسيا وماديا كبيرا، فالأبوان يجدان نفسيهما أمام تحديات يومية بين متابعة العلاج وتوفير مصاريف التنقل والإقامة أحيانا، ومحاولة الحفاظ على التوازن داخل الأسرة.
وفي الجزائر، تضطر بعض العائلات القادمة من ولايات بعيدة إلى التنقل بشكل مستمر نحو المدن الكبرى من أجل العلاج، ما يزيد من حجم المعاناة، خاصة بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود.
كما تعيش الأمهات بشكل خاص ضغطا نفسيا كبيرا، إذ ترافق الكثير منهن أبناءهن لفترات طويلة داخل المستشفى، بعيدا عن البيت وبقية أفراد الأسرة، ورغم التعب والخوف، تُحاول الأمهات دائما إظهار القوة أمام أطفالهن حتى لا يفقدوا الأمل.

التضامن الجزائري.. بصيص أمل
ورغم صعوبة المرض، إلا أن صور التضامن التي يُظهرها الجزائريون مع أطفال السرطان تبقى من أكثر المشاهد الإنسانية تأثيرا، فكثيرا ما تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملات لجمع التبرعات أو توفير الأدوية أو التبرع بالدم لصالح الأطفال المرضى.
كما تُنظم جمعيات خيرية مبادرات مختلفة لدعم هذه الفئة، سواء عبر توفير النقل والإقامة للعائلات أو تنظيم زيارات ترفيهية للأطفال داخل المستشفيات، وفي المناسبات والأعياد يحرص متطوعون على إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال من خلال توزيع الألعاب والهدايا وتنظيم نشاطات ترفيهية وفنية، وقد ساهم هذا التضامن في التخفيف من معاناة الكثير من العائلات، وأعطى صورة جميلة عن روح التكافل الموجودة داخل المجتمع الجزائري.

الدراسة والأحلام رغم المرض
ورغم قسوة العلاج يواصل كثير من أطفال السرطان التمسك بأحلامهم الصغيرة، فبعضهم يحاول متابعة الدراسة من داخل المستشفى، وآخرون يرسمون ويحلمون بالعودة إلى حياتهم الطبيعية بعد الشفاء.
ويؤكد مختصون أن الدعم النفسي والتشجيع يلعبان دورا مهما في رفع معنويات الأطفال وتحسين استجابتهم للعلاج، لذلك تحرص بعض الجمعيات على تنظيم ورشات تعليمية وترفيهية تُساعد الأطفال على تجاوز المرحلة الصعبة.
كما تبقى قصص الأطفال الذين تمكنوا من الشفاء مصدر أمل كبير لبقية المرضى وعائلاتهم، ورسالة تؤكد أن السرطان ليس دائما نهاية الطريق.

الحاجة إلى مزيد من الدعم والتوعية
ورغم الجهود المبذولة ما تزال عائلات كثيرة تطالب بتحسين ظروف التكفل بالأطفال المرضى، خاصة فيما يتعلق بتوفير بعض الأدوية وتقريب مراكز العلاج من الولايات الداخلية وتخفيف معاناة التنقل الطويل.
كما يُشدد الأطباء على أهمية الكشف المبكر، لأن اكتشاف المرض في بدايته يرفع من فرص العلاج والشفاء بشكل كبير، ولهذا تتواصل الدعوات إلى نشر الوعي بين الأولياء حول العلامات الصحية التي تستدعي الفحص الطبي السريع.
ويبقى أطفال السرطان من أكثر الفئات التي تحتاج إلى الدعم والاهتمام ليس فقط بالعلاج، بل أيضا بالكلمة الطيبة والدعم النفسي والشعور بأن محيطهم ومجتمعهم إلى جانبهم.

طفولة تستحق الحياة
قد يسرق المرض جزءا من طفولة هؤلاء الأطفال، لكنه لا يستطيع أن يسرق أحلامهم أو قدرتهم على الابتسامة، فداخل غرف العلاج توجد قصص شجاعة حقيقية لأطفال يواجهون الألم بصبر يفوق أعمارهم، ويحلمون فقط بالعودة إلى المدرسة واللعب والحياة الطبيعية.
وفي عيد الطفولة، تبقى الرسالة الأهم أن كل طفل يستحق فرصة للحياة والعلاج والاهتمام، وأن الوقوف إلى جانب أطفال السرطان وعائلاتهم ليس مجرد عمل تضامني، بل واجب إنساني يعكس قيم الرحمة والتكافل التي يتميز بها المجتمع الجزائري.

لمياء. ب