العالم يحيي اليوم العالمي لمحاربة تشغيلهم

العمل الصيفي للأطفال والمراهقين.. بين اكتساب الخبرة وخطر الاستغلال

العمل الصيفي للأطفال والمراهقين.. بين اكتساب الخبرة وخطر الاستغلال

مع حلول العطلة الصيفية من كل عام تتغير وتيرة الحياة لدى آلاف الأطفال والمراهقين، فبعد أشهر طويلة من الدراسة والالتزامات المدرسية، يجد الكثير منهم أنفسهم أمام وقت فراغ كبير يدفعهم للبحث عن أنشطة مختلفة لشغل أوقاتهم، وبينما يتجه بعضهم إلى المخيمات الصيفية أو ممارسة الرياضة أو تعلم مهارات جديدة، يختار آخرون خوض تجربة العمل الموسمي لكسب بعض المال أو مساعدة عائلاتهم.
ويعد العمل الصيفي ظاهرة موجودة في مختلف المجتمعات، بما فيه المجتمع الجزائري، حيث نشاهد خلال فصل الصيف أطفالا ومراهقين يعملون في المحلات التجارية والأسواق والمطاعم، وورشات الحرفيين أو يشاركون في أنشطة فلاحية موسمية، وبين من يرى في هذه التجارب فرصة للتعلم وتحمّل المسؤولية، ومن يحذر من تحولها إلى شكل من أشكال الاستغلال، يبقى السؤال مطروحا: أين ينتهي العمل المفيد ويبدأ الاستغلال؟

العمل الصيفي.. مدرسة للحياة أحيانا
لا يمكن إنكار أن بعض تجارب العمل الصيفي قد تحمل فوائد إيجابية للمراهقين إذا تمت في ظروف مناسبة وآمنة، فالعمل يساعد الشاب على اكتساب روح المسؤولية والالتزام بالمواعيد واحترام قوانين العمل والتعامل مع الآخرين.
كما يساهم في تنمية مهارات التواصل والثقة بالنفس، ويجعل المراهق أكثر إدراكا لقيمة المال والجهد المبذول للحصول عليه، ولهذا نجد العديد من الأسر تشجع أطفالها الكبار نسبيا على خوض تجارب بسيطة ومحدودة خلال العطلة الصيفية بهدف التعلم وليس بهدف تحقيق الربح فقط.
ويؤكد مختصون في التربية أن التجارب العملية المنظمة يمكن أن تساعد الأطفال على اكتشاف ميولهم المهنية وتحديد اهتماماتهم المستقبلية، خاصة عندما تكون مرتبطة بالتدريب أو التعرف على الحرف والمهن المختلفة.

عندما يتحول العمل إلى عبء
في المقابل، قد يفقد العمل الصيفي أهدافه التربوية عندما يتحول إلى نشاط مرهق أو خطير يفوق قدرات الطفل أو المراهق، فبعض الأطفال يقضون ساعات طويلة في أعمال شاقة تحت أشعة الشمس أو بيئات غير آمنة، ما قد يؤثر على صحتهم الجسدية والنفسية.
كما أن بعضهم يضطر للعمل بدافع الحاجة المادية أو الظروف الاجتماعية الصعبة، فيجد نفسه محروما من حقه في الراحة والترفيه وممارسة الأنشطة التي تناسب سنه.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعرض الأطفال للاستغلال أو لسوء المعاملة أو للعمل في ظروف لا تحترم كرامتهم وسلامتهم، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الطفل التي أقرتها المواثيق الدولية والقوانين الوطنية.

واقع يفرض نفسه في فصل الصيف
خلال العطلة الصيفية، تزداد الحاجة إلى اليد العاملة المؤقتة في العديد من القطاعات، وهو ما يفسر انتشار الأطفال والمراهقين في بعض الأنشطة الموسمية، ففي الأسواق الشعبية، وعلى الشواطئ وفي محلات البيع وورشات الحرفيين، يُمكن ملاحظة حضور الأطفال الذين يسعون إلى استغلال العطلة لتحقيق دخل إضافي.
وتختلف الدوافع من حالة إلى أخرى، فهناك من يعمل لشراء مستلزماته الخاصة أو ادخار مبلغ مالي لمواصلة الدراسة، وهناك من يجد نفسه مضطرا للمساهمة في مصاريف الأسرة بسبب ظروف اقتصادية صعبة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين التجربة التكوينية المفيدة وبين التشغيل الذي يحرم الطفل من حقوقه الأساسية أو يعرضه للأخطار.

التعليم يبقى أولوية
رغم أهمية اكتساب الخبرة العملية، يبقى التعليم الركيزة الأساسية لبناء مستقبل الأطفال والشباب، لذلك ينبغي ألا يتحول العمل الموسمي إلى سبب للتسرب المدرسي أو التقليل من أهمية الدراسة.
فالمجتمعات التي تستثمر في تعليم أبنائها هي المجتمعات الأكثر قدرة على تحقيق التنمية والتقدم، ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون أي تجربة عمل مؤقتة مكملة للمسار التعليمي لا بديل عنه.
كما أن تشجيع الأطفال على القراءة والمطالعة والمشاركة في الأنشطة الثقافية والرياضية خلال العطلة يبقى خيارا مهما يساعدهم على استغلال وقتهم بشكل إيجابي ومتوازن.

حماية الطفل مسؤولية مشتركة
مكافحة استغلال الأطفال لا تقتصر على دور جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع ومؤسسات الدولة.
فالأسرة مطالبة بمتابعة أبنائها والتأكد من أن أي نشاط يمارسونه خلال العطلة لا يشكل خطرا عليهم، كما يقع على أصحاب المؤسسات والورشات احترام القوانين والضوابط المتعلقة بحماية الأطفال وعدم استغلال حاجتهم أو ظروفهم الاجتماعية.
أما المجتمع المدني والجمعيات المحلية فيمكنها المساهمة من خلال تنظيم نشاطات تربوية وثقافية ورياضية توفر بدائل مفيدة للأطفال خلال فترة العطلة.

أرقام تذكّر بحجم التحدي
رغم أن الجزائر تعد من الدول التي حققت تقدما مهما في مجال حماية الطفولة والتمدرس الإجباري، إلا أن قضية عمل الأطفال تبقى محل متابعة من قبل الهيئات المختصة، وتشير معطيات وزارة العمل إلى أن نسبة عمالة الأطفال المسجلة على مستوى المؤسسات الخاضعة للرقابة تبقى منخفضة جدا، حيث قدرت بنحو 0.5 بالمائة سنة 2021، مع تأكيد السلطات على مواصلة عمليات التفتيش والمراقبة لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي، كما تبلغ نسبة تمدرس الأطفال في الجزائر حوالي 98 بالمائة، وهو ما يعد من أبرز العوامل التي تحد من انتشار الظاهرة.
وفي المقابل، تشير بعض الدراسات الاجتماعية والبحوث الأكاديمية إلى وجود أطفال يمارسون أنشطة اقتصادية غير رسمية أو موسمية، خاصة خلال العطل والمناسبات، وهو ما يجعل الأرقام الحقيقية محل نقاش بين المختصين، وقد أشارت دراسات جزائرية إلى وجود أعداد معتبرة من الأطفال الذين يزاولون أعمالا مختلفة خارج الإطار الرسمي، الأمر الذي يدعو إلى مواصلة الجهود الرامية إلى مكافحة التسرب المدرسي وتحسين الظروف الاجتماعية للأسر الهشة.
وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الطفولة لا تقتصر على تطبيق القوانين فقط، بل تشمل أيضا توفير بيئة اجتماعية واقتصادية تسمح لكل طفل بالاستفادة الكاملة من حقه في التعليم والترفيه والنمو السليم، بعيدا عن أي شكل من أشكال الاستغلال أو الحرمان.

نحو صيف مفيد وآمن
العطلة الصيفية فرصة ثمينة للأطفال والمراهقين لاكتشاف قدراتهم وتنمية مهاراتهم وصناعة ذكريات جميلة، والعمل الصيفي يمكن أن يكون تجربة إيجابية عندما يتم في إطار يحترم السن والقدرات الجسدية والنفسية، ويهدف إلى التعلم واكتساب الخبرة.
أما عندما يتحول إلى استغلال أو حرمان من التعليم أو تعريض للخطر، فإنه يفقد كل قيمة تربوية ويُصبح عائقا أمام نمو الطفل ومستقبله.
وفي اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال الذي يحييه العالم يوم غد 12 جوان، تتجدد الدعوة إلى توفير بيئة آمنة تضمن لكل طفل حقه في التعلم واللعب والنمو السليم حتى تبقى الطفولة مرحلة للبناء والأمل، لا مرحلة لتحمل أعباء تفوق سن أصحابها.

لمياء. ب