تعد معركة جبل كسال واحدة من الملاحم البطولية التي لقن فيها مجاهدو جيش التحرير الوطني درسا للاستعمار الفرنسي الغاشم في التضحية والكفاح من أجل الوطن.
وقد بدأت هذه المعركة عقب تحرك كتيبتين لجيش التحرير الوطني يقودهما كل من البطلين ديداني أحمد المدعو “لزرق” وقطاف أحمد، انطلاقا من “الخنيقات” (شرق بلدية الغاسول) نحو منطقة “العين الجديدة” بالقرب من الطريق الرابط بين البيض وبوعلام، حيث كان يتواجد جيش العدو. ولما وصل جيش التحرير إلى “العين الجديدة”، كان جيش العدو قد انسحب شرقا إلى ضواحي آفلو، فتنقلت الكتيبتان إلى جبل كسال للتمركز فيه بضعة أيام في انتظار أوامر لاحقة، وكان المستعمر الغاشم قد قام بإخلاء قرية ستيتن القريبة من جبل كسال من سكانها في جويلية 1957 وزج بهم في المحتشدات بهدف منع جيش التحرير من التواصل معهم وحرمانه من قواعده الشعبية في التموين وظل الجيش الفرنسي يراقب القرية ظنا منه أن جيش التحرير يستخدمها ليلا للراحة أو المبيت.
وفي مساء يوم 17 أفريل 1958، نزل بعض المسبلين من الجبل في مهمة. وعندما شاهدوا قافلة من جيش العدو قد عسكرت في القرية، عادوا مسرعين إلى حيث تتمركز الكتيبتان وأبلغوا قيادة المجاهدين بالأمر، فتحركت الكتيبة التي يقودها البطل قطاف أحمد بسرعة فائقة وحاصرت موقع تمركز العساكر الفرنسية في ساحة القرية وباغتتهم بإطلاق النار وأسفر الهجوم عن عدد من القتلى والجرحى في صفوف قوات الاحتلال الفرنسي التي فر ما تبقى من جنودها بعتادهم. وأخذت قوات الاحتلال تقصف بالدبابات مكان تواجد عناصر كتيبة جيش التحرير الوطني.
وإثر هذا الهجوم، عادت الكتيبة مع حلول الليل إلى جبل كسال، لتجتمع بعد ذلك قيادة المجاهدين لدراسة الموقف وتم الاتفاق على البقاء في الجبل والاستعداد لأي معركة قد يفرضها العدو. وقد تم تعيين مكان يتوسط الجبل يعرف بـ “كاف زعطوط” ليتمركز فيه جيش التحرير تأهبا لمعركة الغد المتوقعة، لأنهم تأكدوا أن قوات الاحتلال الفرنسي سوف تأتي في اليوم الموالي إلى الجبل لتنتقم لجنودها الذين قتلوا في قرية ستيتن.
وكانت قوات جيش التحرير عشية المعركة تتألف من كتيبتين يحمل أفرادها رشاشات ثقيلة وبنادق حربية أخرى، فيما حشد العدو أعدادا هائلة من الجنود والمعدات الحربية وشرع في محاصرة الجبل في ساعة مبكرة. وفي حوالي الساعة السادسة صباحا، بدأ يقصف مواقع تواجد جيش التحرير بمدافع الهاون التي نصبها في قرية الحوض المتاخمة لجبل كسال، كما تدخلت الطائرات لقصف الجبل وفسح المجال أمام تدخل قوات المشاة.
وبعد توقف قصف الطائرات والمدافع لمكان المعركة، تحرك الجنود الفرنسيون وبدأوا في مهاجمة جيش التحرير الذي لم يرد إلا بعد اقتراب عساكر العدو، حيث وقع الاشتباك وتكبد المستعمر خسائر كبيرة في الأرواح.
وعلى إثر ذلك، عادت الطائرات لتقصف مواقع المجاهدين من جديد واستمرت المعركة طيلة النهار.
وواصلت قوات الاحتلال محاولاتها للتقدم إلى مكان تمركز المجاهدين إلا أن ذلك لم ينل من عزيمتهم في الصمود والقتال. ورغم شدة الحصار الذي ضربته القوات الاستعمارية على المكان، فقد تمكن المجاهدون من الانسحاب إلى وجهات أخرى بعد أن كبدوا المستعمر خسائر فادحة قدرت بـ 75 قتيلا في صفوفه، فضلا عن الجرحى وتدمير عدد من الآليات العسكرية.