-
الغذاء بين سلال المهملات ومائدة المحتاج
في الوقت الذي تمتلئ فيه الأسواق بالمواد الغذائية وتتنوع فيه المنتجات على رفوف المتاجر، ما يزال ملايين الأشخاص حول العالم يعانون من الجوع أو من سوء التغذية، هذه المفارقة تطرح تساؤلا مهما على غرار هل المشكلة دائما في نقص الغذاء أم في طريقة استهلاكه وتوزيعه؟
ويأتي إحياء اليوم العالمي لمكافحة الجوع مناسبة للتذكير بأن محاربة المجاعة لا تقتصر على زيادة الإنتاج الغذائي فقط، بل تشمل أيضا الحد من هدر الطعام، وتعزيز ثقافة التضامن وترشيد الاستهلاك، فالكميات الكبيرة من الأغذية التي تُرمى يوميا كان يمكن أن تساهم في إطعام آلاف المحتاجين وتخفيف معاناة الكثير من الأسر.
هدر الطعام.. ظاهرة عالمية مقلقة

يُعد هدر الطعام من أبرز التحديات التي تواجه العالم اليوم، فبينما يعاني البعض من نقص الغذاء، تُلقى كميات معتبرة من الأطعمة الصالحة للاستهلاك في القمامة بسبب سوء التخطيط أو الإفراط في الشراء أو تحضير كميات تفوق الحاجة.
ولا يقتصر تأثير الهدر الغذائي على الجانب الإنساني فقط، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والبيئية أيضا، فإنتاج الغذاء يتطلب استهلاك المياه والطاقة والأراضي الزراعية، وعندما يُهدر الطعام فإن كل هذه الموارد تكون قد استخدمت دون فائدة حقيقية.
واقع نلمسه في حياتنا اليومية
في المجتمع الجزائري تظهر مظاهر هدر الطعام في العديد من المناسبات الاجتماعية والعائلية، ففي الأعراس والولائم والاحتفالات كثيرا ما يتم تحضير كميات كبيرة من الطعام تفوق عدد الحاضرين، لينتهي جزء منها في سلال المهملات.
كما تلاحظ الظاهرة داخل بعض المنازل، حيث تشترى مواد غذائية بكميات تفوق الحاجة، أو تُحفظ بطريقة غير مناسبة فتفسد قبل استهلاكها، ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى خسائر مالية للأسر وإلى تبذير لمواد كان يُمكن استغلالها بشكل أفضل.
ولا يخفى على أحد أن ارتفاع تكاليف المعيشة جعل الكثير من العائلات أكثر حرصا على تجنب التبذير، إلا أن ترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول ما زال يحتاج إلى مزيد من الوعي
والتحسيس.
عندما يجتمع الجوع والهدر في المكان نفسه
المؤلم في الأمر أن هدر الطعام يحدث أحيانا في الوقت الذي توجد فيه أسر تواجه صعوبات حقيقية في توفير احتياجاتها الغذائية اليومية، فهناك عائلات محدودة الدخل وأشخاص يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة يعتمدون في بعض الأحيان على المساعدات والتبرعات لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة الكبيرة في وجود أطعمة صالحة للاستهلاك تُرمى في جهة، وأشخاص يحتاجونها في جهة أخرى، لذلك يرى المختصون أن الحد من الهدر الغذائي يمكن أن يكون جزءا مهما من جهود مكافحة الجوع والفقر.
أرقام تدعو إلى التأمل
تشير تقارير دولية إلى أن نحو ثلث الغذاء المنتج عالميا يفقد أو يُهدر سنويا، وهي كميات ضخمة تكفي لإطعام ملايين الأشخاص، كما تؤكد تقارير الهيئات الدولية المختصة بالأمن الغذائي أن مئات الملايين من البشر ما زالوا يعانون من الجوع بدرجات متفاوتة.
أما في الجزائر فقد شهدت السنوات الأخيرة حملات توعوية متزايدة للحد من تبذير الطعام، خاصة خلال شهر رمضان والمواسم التي يزداد فيها الاستهلاك الغذائي، وتدعو هذه المبادرات إلى اعتماد سلوكيات أكثر وعيا في الشراء والتحضير والاستهلاك، حفاظا على النعمة وتقليلا للخسائر.
التضامن الاجتماعي جزء من الحل
لطالما عُرف المجتمع الجزائري بروح التكافل والتضامن، وهي قيم يُمكن أن تلعب دورا مهما في مكافحة الجوع والحد من آثار الفقر الغذائي.
فالكثير من الجمعيات الخيرية والمحسنين يُنظمون حملات لتوزيع المواد الغذائية والوجبات الساخنة على الأسر المحتاجة، كما ظهرت مبادرات تهدف إلى جمع فائض الطعام الصالح للاستهلاك وتوجيهه إلى المحتاجين بدلا من التخلص منه.
ورغم أهمية هذه الجهود، إلا أن نجاحها يتطلب مشاركة أوسع من مختلف فئات المجتمع، سواء خلال التبرع أو التطوع أو حتى المساهمة في نشر ثقافة عدم التبذير.
كيف يُمكن لكل فرد أن يُساهم؟
مكافحة الجوع ليست مسؤولية الحكومات والمؤسسات فقط، بل يُمكن لكل شخص أن يكون جزءا من الحل من خلال خطوات بسيطة في حياته اليومية منها:
شراء الكميات التي يحتاجها فعلا دون إفراط
إعداد وجبات تتناسب مع عدد أفراد الأسرة
حفظ المواد الغذائية بطريقة سليمة
الاستفادة من بقايا الطعام بدل التخلص منها
التبرع بالمواد الغذائية الفائضة للأسر المحتاجة أو الجمعيات الخيرية
تعليم الأطفال قيمة الغذاء وأهمية المحافظة عليه
هذه السلوكيات البسيطة قد تبدو محدودة التأثير على المستوى الفردي، لكنها تُحدث فرقا كبيرا عندما تُصبح ثقافة عامة يتبناها المجتمع.
دور الأسرة في غرس ثقافة المحافظة على النعمة
تظل الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء عادات الاستهلاك، فعندما يعتاد الطفل على احترام الطعام وعدم رميه، وعلى أخذ ما يحتاجه فقط من الوجبات، فإنه يكبر وهو أكثر وعيا بقيمة الغذاء وأهمية ترشيد الاستهلاك.
كما أن إشراك الأبناء في التخطيط للمشتريات المنزلية وترتيب الوجبات يساعدهم على فهم الجهد والموارد التي تقف وراء وصول الطعام إلى المائدة، ويُعزز لديهم روح المسؤولية.
الأمن الغذائي مسؤولية جماعية
لا تقتصر مكافحة الجوع على توفير الغذاء فحسب، بل تشمل أيضا دعم الانتاج المحلي، وتشجيع الفلاحة وتقليل الخسائر الغذائية، وتعزيز التضامن الاجتماعي، فكل حلقة في هذه السلسلة تساهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والغذائية.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بقضايا الأمن الغذائي، أصبح من الضروري أن يدرك الجميع أن المحافظة على الغذاء ليست مجرد سلوك اقتصادي بل هي أيضا مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه الآخرين وتجاه الأجيال القادمة.
رسالة اليوم العالمي لمكافحة الجوعيذكّرنا اليوم العالمي لمكافحة الجوع أن العالم لا يحتاج فقط إلى مزيد من الإنتاج الغذائي، بل يحتاج أيضا إلى حسن استغلال ما ينتجه، فبين الوفرة والهدر توجد فرصة حقيقية لصنع الفرق وبين سلال المهملات ومائدة المحتاج قد تكمن وجبة تُنقذ إنسانا من الجوع.
وبناء مجتمع أكثر وعيا بقيمة الغذاء يبدأ من تصرفات بسيطة في حياتنا اليومية، ومن إدراك أن كل لقمة لها قيمة، وأن الحفاظ على النعمة والتضامن مع المحتاجين هما من أسمى صور المسؤولية الاجتماعية والانسانية، فحين نحارب الهدر، فإننا لا نحافظ على الغذاء فقط، بل نساهم أيضا في بناء مجتمع أكثر عدلا وتكافلا وإنسانية.
لمياء. ب