أنوار من جامع الجزائر الإجازات والعطل فرصة للتجديد – الجزء الثاني والأخير-

الإجازات والعطل فرصة للتجديد – الجزء الثاني والأخير-

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبْتَلَى بِهِ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْإِجَازَاتُ وَالْعُطَلُ، الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فُرْصَةً لِتَجْدِيدِ النَّشَاطِ وَالِاسْتِزَادَةِ مِنَ الْخَيْرِ، إِلَى مَوَاسِمَ لِإِهْدَارِ الْأَوْقَاتِ وَتَبْدِيدِ الْأَعْمَارِ، فَتَمُرُّ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي سَرِيعَةً دُونَ أَنْ يَجْنِيَ الْمَرْءُ مِنْهَا عِلْمًا يَنْفَعُهُ، أَوْ عَمَلًا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، أَوْ خُلُقًا يُزَكِّي نَفْسَهُ، بَلْ رُبَّمَا انْقَلَبَتْ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى سَاعَاتٍ طِوَالٍ تُسْتَهْلَكُ فِي تَصَفُّحِ الْهَوَاتِفِ، وَمُتَابَعَةِ الْمَقَاطِعِ التَّافِهَةِ، لَا يَجْنِي عِلْمًا، وَلَا يَكْسِبُ فَضْلًا، وَلَا يَزْدَادُ مِنَ اللَّهِ قُرْبًا، بَلْ رُبَّمَا اسْتُدْرِجَ إِلَى مَا يُفْسِدُ قَلْبَهُ وَخُلُقَهُ وَدِينَهُ، فَيَغْرَقُ فِي اللَّغْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَيَنْسَاقُ وَرَاءَ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]، وَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْعُطْلَةِ عَلَى أَنَّهَا فَرَاغٌ يُمْلَأُ بِاللَّهْوِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا فُرْصَةٌ ثَمِينَةٌ لِلتَّقَدُّمِ فِي دِينِهِ وَعِلْمِهِ وَحَيَاتِهِ، فَيَجْعَلُ لِنَفْسِهِ فِيهَا أَهْدَافًا وَاضِحَةً وَبَرْنَامَجًا نَافِعًا، يُحَافِظُ فِيهِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَيَجْعَلُ لَهُ وِرْدًا يَوْمِيًّا مِنَ الْقُرْآنِ تِلَاوَةً وَحِفْظًا وَتَدَبُّرًا، وَيُقْبِلُ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ بِالْقِرَاءَةِ وَحُضُورِ الدُّرُوسِ وَالْمُحَاضَرَاتِ، وَيَسْتَثْمِرُ وَقْتَهُ فِي بِرِّ وَالِدَيْهِ وَصِلَةِ أَرْحَامِهِ وَخِدْمَةِ مُجْتَمَعِهِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْخَيْرِيَّةِ وَالتَّطَوُّعِيَّةِ، وَيَسْعَى إِلَى تَعَلُّمِ مَهَارَةٍ جَدِيدَةٍ أَوِ اكْتِسَابِ خِبْرَةٍ نَافِعَةٍ تَزِيدُهُ نُضْجًا وَنَفْعًا، وَيَأْخُذُ مِنَ التَّرْفِيهِ الْمُبَاحِ مَا يُجَدِّدُ نَشَاطَهُ دُونَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى وَقْتِهِ أَوْ يُنْسِيَهُ وَاجِبَاتِهِ. فَيَا شَبَابَ الْإِسْلَامِ، اجْعَلُوا إِجَازَاتِكُمْ مَوَاسِمَ لِلْبِنَاءِ لَا لِلْهَدْمِ، وَلِلْإِنْجَازِ لَا لِلْإِضَاعَةِ، وَلِلِارْتِقَاءِ لَا لِلِانْحِدَارِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَيَّامَ إِذَا مَضَتْ لَمْ تَعُدْ، وَأَنَّ السَّاعَاتِ إِذَا انْقَضَتْ لَا يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهَا، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخُسْرَانِ أَنْ تَنْقَضِيَ الْعُطْلَةُ وَلَا يَزْدَادَ الْمَرْءُ مِنَ اللَّهِ قُرْبًا، وَلَا مِنَ الْعِلْمِ نَصِيبًا، وَلَا مِنَ الْفَضَائِلِ حَظًّا، بَلِ السَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا وَقَدْ رَبِحَ دِينًا وَعِلْمًا وَخُلُقًا وَعَمَلًا صَالِحًا يَجِدُ ثَوَابَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ يَلْقَاهُ. فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَعْمَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنَ عَلَيْكُمْ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا وَأَعْمَارِنَا وَأَعْمَالِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوْقَاتَنَا عَامِرَةً بِطَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمُ الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالرِّفْقَةَ الصَّالِحَةَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ. هَذَا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ صَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

الجزء الثاني والأخير من خطبة الجمعة من جامع الجزائر