-
أقصر مسار وأقل تكلفة.. المشروع الجزائري يكتسب أفضلية عملية
تعود مشاريع الغاز الإفريقية إلى الواجهة، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية الناجمة عن التوترات المرتبطة بحرب إيران، حيث تسعى أوروبا بحثا عن مصادر مستقرة وموثوقة للغاز.
في هذا السياق، يكتسب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي تقوده الجزائر أفضلية اقتصادية متزايدة، مستفيدا من موقعه الجغرافي وبنيته التحتية القائمة مقارنة بالمشروع المنافس عبر المغرب.
تشهد معادلة الطاقة في شمال إفريقيا تحولا لافتا في أعقاب التوترات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل أولويات الدول المستهلكة، خاصة في أوروبا. تحول حرب إيران إلى محفز رئيسي لإعادة النظر في استراتيجيات الإمدادات الغازية، حيث بات البحث عن بدائل آمنة وموثوقة ضرورة استراتيجية وليس خيارا اختياري. الغاز الطبيعي، الذي كان يُنظر إليه تقليديا كمادة تصدير بحتة، أصبح أداة استراتيجية للنفوذ والتوازن الإقليمي، مما أعاد تشكيل خريطة الاستثمارات والمشاريع الضخمة في القارة الأفريقية. هذا التحول الجيوسياسي فتح الباب أمام إعادة تقييم شامل للمشاريع الغازية الإفريقية، حيث أصبحت الجدوى الاقتصادية والسرعة في الإنجاز عاملين حاسمين في تحديد أولويات الاستثمار. الدول الأوروبية، التي تواجه نقصا متزايدا في الإمدادات، بدأت تبحث بجدية عن حلول سريعة وفعالة لتعويض الفجوة الناتجة عن التحولات الجيوسياسية. هذا البحث الحثيث عن بدائل أعاد الاهتمام بالمشاريع الإفريقية التي تتمتع بمزايا تنافسية واضحة من حيث المسافة والتكلفة والجاهزية التقنية. الجزائر، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي وخبرتها الطويلة في مجال الطاقة، استفادت بشكل مباشر من هذه التحولات. تطورت الإمدادات العالمية بشكل جذري منذ عام 2022، حيث بات الغاز أداة محورية في لعبة النفوذ الإقليمي والدولي. هذا التطور خلق فرصة ذهبية للجزائر لتثبيت موقعها كشريك محوري في سوق الطاقة الأوروبية، خاصة من خلال المشاريع الضخمة التي تربط الموارد الإفريقية بالأسواق الأوروبية المتعطشة للغاز.
التقارب الجزائري–النيجري كعامل حاسم
برز التقارب الدبلوماسي بين الجزائر والنيجر كعامل حاسم في إعادة رسم مسارات الطاقة الإفريقية، خاصة بعد مرحلة من الفتور انتهت بعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي مطلع عام 2026.
هذه العودة الدبلوماسية فتحت الباب أمام تعزيز التعاون في مشاريع استراتيجية ضخمة، على رأسها أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يعتبر من أهم المشاريع التكاملية في القارة. استعادة الثقة بين البلدين خلقت بيئة سياسية واستقرار دبلوماسي ضروري لتنفيذ مشاريع بهذا الحجم والتعقيد. دخول شركة سوناطراك بقوة إلى الميدان من خلال إطلاق عمليات التنقيب في حقل كافرا قرب الحدود الجزائرية يعكس انتقال المشروع من مرحلة التصورات والدراسات النظرية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض. هذه الخطوة العملية تشير إلى التزام حقيقي من الجزائر بتحويل المشروع من فكرة إلى واقع ملموس. التقديرات الجيولوجية تشير إلى وجود احتياطات تفوق 260 مليون برميل في حقل كافرا، مما يوفر قاعدة موارد قوية لتغذية الأنبوب بالغاز الطبيعي على المدى الطويل. برامج مرافقة شاملة تشمل التكوين وبناء القدرات المحلية في النيجر تعكس رؤية إقليمية متوازنة للمشروع. هذه البرامج لا تقتصر على الجوانب التقنية والهندسية، بل تمتد إلى تطوير الموارد البشرية والكفاءات المحلية في دول المشروع. التزام الدول الثلاث بهذه البرامج يدل على فهم عميق لأهمية بناء قدرات محلية مستدامة تضمن استمرارية المشروع وكفاءة تشغيله على المدى الطويل.
تفوق الجدوى الاقتصادية للمشروع الجزائري
وفي هذا السياق، أكد مسؤول دولي متخصص في استشارات المخاطر أن أنبوب الغاز العابر للصحراء يتمتع بأفضلية عملية واضحة من حيث الجدوى الاقتصادية.
رئيس شركة شمال إفريقيا لاستشارات المخاطر (NARCO)، جيف بورتر، اعتبر المشروع الجزائري الخيار الأكثر واقعية وجدوى مقارنة بمشروع الأنبوب الأطلسي عبر المغرب، مشيرا إلى أنه أقصر مسافة وأقل تعقيدا من الناحية التقنية. هذا التقييم من خبير دولي متخصص يعكس تقييما موضوعيا بناء على معايير اقتصادية وتقنية محددة.
المشروع الجزائري يستند إلى بنية تحتية قائمة، وهي ميزة تنافسية حقيقية تقلل من التكاليف الإجمالية وتسرع من وتيرة الإنجاز. وصف بورتر المشروع المغربي، بأنه مكلف ومعقد ويطرح إشكالات قانونية متعددة، مما يضعه في موقع ضعيف مقارنة بالخيار الجزائري. هذا التقييم المقارن، يعكس الفروقات الجوهرية بين المشروعين من حيث الواقعية والجدوى الاقتصادية. التقييم يأتي في سياق اضطرابات أسواق الطاقة العالمية الناجمة عن التوترات المرتبطة بحرب إيران، والتي أعادت تشكيل أولويات الدول المستهلكة، خصوصا في أوروبا، الباحثة عن مصادر مستقرة وموثوقة للغاز. الجزائر، بموقعها الجغرافي والاستقرار السياسي النسبي، تمثل شريكا موثوقا في عيون الدول الأوروبية. هذا العامل الجيوسياسي يضيف قيمة إضافية للمشروع الجزائري، حيث أن الدول الأوروبية تبحث ليس فقط عن الغاز، بل عن شركاء موثوقين يمكنهم تأمين الإمدادات بشكل مستقر وآمن على المدى الطويل.
مقارنة مباشرة: الجزائر مقابل المغرب
من الناحية التقنية، يبرز المشروع الجزائري كخيار أكثر واقعية وكفاءة، حيث يمتد أنبوب الغاز العابر للصحراء على مسافة تقارب 4127 كيلومتراً فقط، ويعبر ثلاث دول فقط، مع جاهزية جزء معتبر من بنيته التحتية.
المعطيات تشير إلى أن نحو 60 في المائة من المسار متوفر بالفعل، مما يقلص التكاليف بشكل كبير ويرفع من سرعة الإنجاز مقارنة بالمشروع المنافس. هذه النسبة العالية من الجاهزية تعني أن الدول الثلاث لا تبدأ من الصفر، بل تستفيد من بنية تحتية موجودة بالفعل. في المقابل، يواجه مشروع الأنبوب النيجيري-المغربي تحديات أكبر بكثير من حيث الطول والتعقيد. يتجاوز طول الأنبوب المغربي 5600 كيلومتر ويمر عبر 13 دولة، مما يزيد من التعقيدات التنسيقية والقانونية والسياسية. التكلفة المرتفعة التي قد تصل إلى 30 مليار دولار تعكس الحجم الضخم للمشروع والتعقيدات المرتبطة به. إضافة إلى ذلك، يواجه المشروع تعقيدات تقنية مرتبطة بالمسار البحري، وهي تعقيدات إضافية لا يواجهها المشروع الجزائري. المسار البحري للمشروع المغربي يطرح تحديات هندسية وقانونية معقدة، حيث يتطلب التعامل مع قوانين دولية بحرية وتنسيقاً مع دول ساحلية متعددة. هذه التعقيدات تجعل المشروع المغربي طويل الأمد قد يمتد تنفيذه إلى ما بعد عام 2040، مما يجعله خياراً غير واقعي في السياق الحالي حيث تحتاج أوروبا إلى حلول سريعة. الفروقات الجوهرية بين المشروعين تمنح الجزائر أفضلية اقتصادية واضحة، خاصة في ظل حاجة أوروبا العاجلة إلى حلول فعالة وسريعة.
تفاصيل المشروع والأرقام الأساسية
يمتد أنبوب الغاز العابر للصحراء على طول إجمالي يبلغ 4128 كيلومتراً، موزعاً على الدول الثلاث بالشكل التالي: 1037 كيلومتراً داخل الأراضي النيجيرية، و841 كيلومتراً في النيجر، و2310 كيلومترات في الجزائر. هذا التوزيع الجغرافي يعكس طبيعة المشروع التكاملي الذي يربط موارد نيجيريا الغازية بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي الجزائرية والنيجرية. الأنبوب سيربط حقول الغاز بنيجيريا، انطلاقاً من واري بنهر النيجر، بالحدود الجزائرية وصولاً إلى الشبكة الجزائرية. من حيث الطاقة، يهدف المشروع إلى نقل ما بين 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي من نيجيريا. هذه الكمية الضخمة من الغاز ستلبي احتياجات كبيرة من الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي كمصدر طاقة انتقالي. الطاقة الإنتاجية للمشروع تعكس أهميته الاستراتيجية في سياق الأمن الغازي الأوروبي. من الناحية المالية، بلغت تكلفة المشروع وفقاً للتقديرات المالية التي أعدت سنة 2009 حوالي 10 مليارات دولار. غير أن التقديرات الحالية تشير إلى ارتفاع التكلفة إلى حوالي 12 مليار دولار، وهو ارتفاع معقول نسبياً بالنظر إلى التضخم والتطورات التقنية على مدى السنوات الماضية. هذه التكلفة تبقى منخفضة نسبياً مقارنة بالمشروع المغربي الذي قد تصل تكاليفه إلى 30 مليار دولار. من الناحية التقنية، سيتم ربط الأنبوب العابر للصحراء مباشرة بشبكتي “ميدغاز” و”ترانسميد”، وهما شبكتان أوروبيتان رئيسيتان لنقل الغاز. هذا الربط المباشر يتيح ضخ الغاز النيجيري نحو إسبانيا وإيطاليا دون الحاجة إلى استثمارات إضافية معقدة أو بنية تحتية جديدة. هذه الميزة التقنية، تعكس الكفاءة الاقتصادية للمشروع وتقلل من التكاليف الإجمالية.
تقدم المشروع والانتقال إلى مرحلة التنفيذ
شهد المشروع تطوراً ملموساً في الآونة الأخيرة، حيث انتقل من مرحلة الدراسات والتصورات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
توقيع اتفاقية تحيين دراسة الجدوى يعكس التزام الدول الثلاث بتحديث الدراسات الأولية التي مرت عليها فترة زمنية طويلة منذ إعدادها. هذا التحيين ضروري لضمان أن جميع الحسابات الاقتصادية والتقنية تعكس الواقع الحالي للأسواق والتكنولوجيا والظروف الجيوسياسية. توقيع اتفاقيات ثلاثية بين الدول الثلاث يعكس التزاماً سياسياً عالياً بتنفيذ المشروع. هذه الاتفاقيات تحدد الإطار القانوني والمؤسسي للتعاون بين الدول، وتضمن تنسيقاً سلساً بين الأطراف المختلفة. كما تشير إلى دخول المشروع في مرحلة جدية، حيث تم توقيع اتفاقية “عدم الإفصاح” لحماية سرية تفاصيل المشروع، بما في ذلك تقاسم التكاليف والنسب وغيرها من التفاصيل المهمة. هذا الحرص على السرية يعكس جدية الدول في حماية المشروع من أي محاولات تشويش أو عرقلة. دور شركة سوناطراك يعتبر محورياً في تنفيذ المشروع. إطلاق عمليات التنقيب في حقل كافرا قرب الحدود الجزائرية يعكس التزام سوناطراك بتطوير الموارد الغازية اللازمة لتغذية الأنبوب. التقديرات تشير إلى احتياطات تفوق 260 مليون برميل في حقل كافرا، مما يوفر قاعدة موارد قوية وموثوقة. سوناطراك، بخبرتها الطويلة في مجال الطاقة والبنية التحتية الضخمة، تمتلك القدرات الفنية والمالية اللازمة لقيادة هذا المشروع الضخم.
من الناحية التمويلية، أبدى بنك التنمية الإفريقي استعداده لتمويل المشروع سنة 2023، مما يعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في جدوى المشروع. احتمالية انخراط البلدان الأوروبية في تمويل المشروع أيضاً، وارد جداً، خاصة في ظل شح المعروض من الغاز وحاجتها الملحة إلى بدائل. هذا الاهتمام التمويلي الدولي، يعكس أهمية المشروع الاستراتيجية والاقتصادية.
الأفضلية الجزائرية: إعادة تموضع استراتيجي في سوق الطاقة
تعكس التحولات الجارية إعادة تموضع استراتيجي للجزائر في سوق الطاقة العالمية.
الجزائر، بموقعها الجغرافي الاستثنائي وبنيتها التحتية المتطورة وخبرتها التقنية العميقة، استفادت بشكل مباشر من التحولات الجيوسياسية الحالية. موقعها الجغرافي يجعلها جسراً طبيعياً بين موارد الغاز الإفريقية والأسواق الأوروبية، مما يعطيها ميزة تنافسية لا تضاهى. البنية التحتية الموجودة بالفعل في الجزائر، خاصة شبكات الأنابيب والمحطات، توفر أساساً قوياً لتطوير مشاريع ضخمة مثل أنبوب الغاز العابر للصحراء.
الخبرة التقنية الجزائرية المتراكمة على مدى عقود من العمل في مجال الطاقة توفر ضماناً إضافياً لنجاح المشروع. سوناطراك، الشركة الوطنية للنفط والغاز، تمتلك كفاءات عالية في مجال التنقيب والإنتاج والنقل والتسويق. هذه الكفاءات المتراكمة، تجعل الجزائر شريكاً موثوقاً في عيون الدول الأوروبية والشركات الدولية. الاستقرار السياسي النسبي في الجزائر يضيف قيمة إضافية، حيث أن الدول الأوروبية تبحث عن شركاء موثوقين يمكنهم تأمين الإمدادات بشكل مستقر وآمن على المدى الطويل. تسريع الانتقال بالمشروع من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ قد يمنح الجزائر تقدماً حاسماً في سباق تزويد أوروبا بالغاز خلال السنوات المقبلة. الدول الأوروبية، التي تواجه نقصاً متزايداً في الإمدادات، تبحث بحثاً حثيثاً عن حلول سريعة وفعالة. المشروع الجزائري، بجدواه الاقتصادية العالية وسرعة إنجازه المتوقعة، يمثل الحل الأمثل لهذه الحاجة الملحة. هذا الموقع المفضل قد يترجم إلى عقود طويلة الأمد لتصدير الغاز، مما يعزز الاستقرار المالي والاقتصادي للجزائر. من الناحية الإقليمية، يعكس المشروع رؤية تكاملية لتطوير موارد الطاقة الإفريقية بطريقة تستفيد منها جميع الدول المشاركة. نيجيريا تستفيد من تصدير غازها إلى الأسواق الأوروبية، بينما تستفيد الجزائر والنيجر من مرور الأنبوب عبر أراضيهما من خلال رسوم العبور والاستفادة من عمليات الصيانة والمراقبة والمتابعة. هذا التوزيع المتوازن للفوائد، يعكس فهماً عميقاً لأهمية التعاون الإقليمي المستدام. الجزائر، بدورها المحوري في المشروع، تحصل على موقع متقدم في هذه المعادلة الإقليمية الجديدة.
مصطفى. ع