إن الحديث عن الذنوب الجارية من أهم الموضوعات التي ينبغي للمسلم أن يتأملها بجدية، خصوصًا في عصرنا الحاضر الذي أصبح فيه نقل الكلمة والصورة والفكرة لا يستغرق إلا لحظات معدودة عبر وسائل التواصل الحديثة. فالإنسان قد يرتكب معصيةً عابرة بينه وبين نفسه، فيستغفر منها، فيمحوها الله عز وجل بفضله ورحمته، أما حين يتعدى الأمر إلى نشر تلك المعصية وتعميمها بين الناس، فإنه يدخل في دائرة أشد خطورة: دائرة الذنوب الجارية، أي الذنوب التي تستمر آثارها بعد الفعل الأصلي وتتكاثر أوزارها بتكاثر من يقلدها أو يتأثر بها. فما معنى الذنوب الجارية ومفهومها: المقصود بالذنوب الجارية: هي تلك السيئات التي لا تتوقف عند فاعلها، بل تتعداه إلى غيره بالانتشار والاقتداء والتقليد. فهي عكس الحسنات الجارية التي تستمر لصاحبها بعد موته، كما ورد في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم. فكما أن هناك حسنات جارية تستمر بعد موت الإنسان، فهناك أيضًا سيئات جارية تستمر بعد موته إن كان قد ترك أثرًا سيئًا أو بابًا مفتوحًا للشر يقتدي به الناس، كمن ينشر فكرة فاسدة، أو يسن بدعة ضلالة، أو يروج لمعصية عبر وسيلة من الوسائل. وهذا الأمر خطير جدًا، لأنه قد يجعل ميزان العبد يوم القيامة مُثقلاً بأوزار لم يرتكبها بيده مباشرة، ولكنه كان السبب في انتشارها وإشاعتها.
الأدلة من القرآن الكريم: إنَّ القرآن الكريم حافلٌ بالآيات البينات التي تُحذِّر الإنسان من خطورة أن يكون سببًا في إضلال غيره أو أن يسنَّ سنَّة سيئة أو يترك أثرًا منكرًا في الحياة، فالأمر لا يقتصر على معصيته الشخصية فقط، بل يمتد أثره إلى كل من تبعه أو تأثر به. وقد جاء هذا البيان في أكثر من موضع، تأكيدًا لعِظَم المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان. يقول الله تعالى: ” لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ” النحل: 25. وهذه الآية الكريمة صريحة في أن من دعا إلى ضلالة أو زيَّن الباطل للناس أو كان سببًا في انحراف غيره، فإن وزره لا يقف عند حدود نفسه، بل يحمل أوزاره وأوزار من اتبعه إلى يوم القيامة. يقول الإمام الطبري في تفسيره: أي إن هؤلاء المضلين لا يكتفون بإثمهم، بل يُضاف إلى أوزارهم أوزارُ من أضلُّوهم، من غير أن يُنقص ذلك من أوزار المضلَّلين شيئًا. وفي هذا تحذير شديد أن الكلمة أو الفعل أو الموقف قد يظل أثره ممتدًا في الناس، ويظل صاحبه يجني وِزرَه إلى أن تقوم الساعة.
الأدلة من السنة النبوية: الأحاديث النبوية جاءت مكملة للآيات القرآنية في التحذير من هذا الباب؛ باب الأثر المتعدي للإنسان في غيره: إن دعا إلى هدى جرى له الأجر، وإن دعا إلى ضلالة جرى عليه الوزر. وهذا المعنى اليوم أشد وضوحًا مع وسائل النشر السريع؛ فالكلمة والصورة والمقطع تنتقل في لحظات، وتتحول إلى “سنة متَّبعة” أو “دعوة مستمرة” لا تنقطع آثارها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء” رواه مسلم.
من موقع الألوكة الإسلامي